الاتحاد الأوروبي وحافز كوسوفو

تم نشره في الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

كان إعلان كوسوفو للاستقلال سبباً في وضع إعادة قضية الاستقرار في منطقة غرب البلقان إلى الأجندة الأوروبية من جديد. وما لم يعمل الاتحاد الأوروبي على وجه السرعة، فقد تنـزلق المنطقة بالكامل إلى الوراء، بكل ما يشتمل عليه ذلك من عواقب اجتماعية واقتصادية وأمنية خطيرة. يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتبنى توجهاً إقليمياً شاملاً، مع التركيز على الخطوات المتبقية اللازمة لتقدم كل دولة نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.

إن غرب البلقان -وهو المصطلح الذي لم يستخدم إلا منذ العام 1999- يتألف من ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، ومقدونيا، ومونتينيغرو، وصربيا، وكوسوفو، بمجموع سكان يصل إلى 22 مليون نسمة تقريباً. والتنمية الاقتصادية في المنطقة واعدة، حيث تمكنت كافة بلدانها تقريباً من تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بفضل تزايد حجم صادراتها وناتجها الصناعي. والاستثمارات الداخلية تشهد تقدماً ثابتاً، حيث تعتقد المؤسسات التجارية أن التحديات السياسية والأمنية المتبقية ـ أو التأثيرات السلبية المحتملة الناجمة عن استقلال كوسوفو والبوسنة ـ سوف يتم التغلب عليها في القريب العاجل.

الحقيقة أن القدر الأعظم من العمل قد تم بالفعل فيما يتصل بإعادة تأسيس وتحسين العلاقات الإقليمية. ولقد نجحت معاهدة الاستقرار لجنوب شرق أوروبا تحت قيادة الاتحاد الأوروبي منذ العام 1999 في تحفيز التعاون الإقليمي عبر الحدود، للمرة الأولى منذ تقسيم يوغوسلافيا. ولقد استفادت مجالات عديدة من هذا التقدم، مثل الطاقة والبنية الأساسية للنقل ـ الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية ـ ومكافحة الجريمة. كما انتقلت معاهدة الاستقرار الآن إلى السيطرة المحلية، فعادت إلى الظهور من جديد تحت مسمى مجلس التعاون الإقليمي، الذي يتخذ من سراييفو مقراً له، والذي أصبح جاهزاً لوضع المعايير الإقليمية والتعددية اللازمة لتوثيق أواصر التعاون بين أعضائه.

من المفترض في اتفاقية التجارة الحرة لوسط أوروبا، والتي عادت إلى الحياة مؤخراً، أن تخدم باعتبارها المحرك الإقليمي الأساسي للتجارة والأعمال عموماً، ولسوف تلتزم هذه الاتفاقية بقواعد منظمة التجارة العالمية، فضلاً عن التزام كل الأطراف أمام الاتحاد الأوروبي. وعلى نحو مشابه، تعتبر عملية التعاون لبلدان جنوب شرق أوروبا واحدة من بين المنظمات الإقليمية الحديثة نسبياً، والتي تساهم في الجهود التي تبذلها الدول المرشحة والدول المحتملة الترشيح، سعياً إلى الاستعداد لعضوية الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يجعلها تشكل المنتدى السياسي الإقليمي الحقيقي الأول الذي يشارك فيه كل من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبلدان المرشحة لعضويته.

ولكن لا ينبغي لنا أن ننظر إلى مثل هذه الهيئات باعتبارها بديلاً لعملية التحاق أكثر شمولاً، وهي العملية التي لا يستطيع إلا الاتحاد الأوروبي ذاته أن يبدأها. ولكن على الرغم من التوقعات المتفائلة بالنسبة للمنطقة، ورغم حجمها الصغير نسبياً، إلا أن الاتحاد الأوروبي كان بطيئاً في الشروع في مثل هذه العملية.

مما لا شك فيه أن خطوات اقتراب البلدان المرشحة من الاتحاد تعتمد على سرعة تنفيذ خطوات الإصلاح في تلك البلدان. ولقد عملت أوروبا جاهدة، وبدعم حيوي من جانب الولايات المتحدة، على منع مذبحة التسعينيات والمساعدة في إعادة بناء دول البلقان.

بيد أن الاتحاد الأوروبي أخفق حتى الآن في إعداد منطقة غرب البلقان لعملية الالتحاق بعضويته، على النحو الذي يتفق مع الوعود التي بذلها زعماء الاتحاد في إطار قمة ثيسالونيكي في العام 2003 بضم بلدان غرب البلقان حين تنتهي من الوفاء بالمعايير التي حددها الاتحاد.

الحقيقة أن ذلك الوعد لم يكن من قبيل الإحسان أو عمل الخير؛ إذ أن البلقان سوف تضيف المزيد من القيمة للاتحاد الأوروبي. ومن المؤكد أن الأزمة الداخلية المطولة التي مر بها الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بالدستور المقترح كانت سبباً في الانحراف عن ذلك الهدف، كما أدت إلى الإضرار بسمعة الاتحاد في البلقان. وإننا لنرجو أن تساعد معاهدة الإصلاح الجديدة في إعادة الطمأنينة إلى المنتقدين وتمهيد الطريق نحو مرحلة جديدة -وأكثر نشاطاً- من التكامل.

إذا لم يحدث ذلك، فلا يملك المرء إلا أن يتساءل ماذا حدث للروح الأوروبية التي كانت غالبة أثناء فترة سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حين كانت الدول التي أفلتت للتو من نير الدكتاتورية والاضطرابات الأهلية، مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، موضع ترحيب للانضمام إلى مجتمع الدول الأوروبية الديمقراطية؟ الحقيقة أن القرارات السياسية التي اتخذت آنذاك كانت تحمل قدراً أعظم من المجازفة مقارنة بالقرارات التي لابد وأن تتخذ الآن فيما يتصل بالبلقان. وتبرهن قصص النجاح اليونانية والبرتغالية والأسبانية على حكمة القرارات الشجاعة التي اتخذت آنذاك.

ولكن ماذا عن أمثلة اليوم؟ إن أحدث بلدين التحاقاً بعضوية الاتحاد الأوروبي، وهما بلغاريا ورومانيا، كلتاهما من البلقان، وتشكلان مثالاً للبلدان ذات الاحتياجات الخاصة. ورغم أن الاتحاد الأوروبي كان في البداية يتعامل مع المفاوضات الخاصة بانضمام هاتين الدولتين بقدر من التباطؤ، إلا أنه قرر فيما بعد أن يستمر في مراقبة ومتابعة البلدين حتى بعد عملية الالتحاق، من أجل ضمان حرصهما على تعزيز الأجهزة الإدارية والقضائية على النحو الفعّال كشرط أساسي من شروط العضوية.

يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتعلم من هذه التجربة في وضع استراتيجية محددة لعملية التحاق دول غرب البلقان، والتي تعطلت بسبب التعقيدات التي نشأت في المرحلة الانتقالية التالية للصراع. ويتعين على أي توجه جديد للاتحاد الأوروبي أن يضع في الحسبان الاحتياجات الخاصة لتلك البلدان، ليمنحها الأمل ويخفف من التوابع المترتبة على استقلال كوسوفو في ذات الوقت.

إنه لمن مصلحة أوروبا، ومصلحة المنطقة بنفس القدر، أن يتم التعجيل بعملية الالتحاق. إذا أن إعادة تنشيط عملية الالتحاق من شأنها أن تساهم في تعزيز تماسك الاتحاد الأوروبي، على الصعيدين الإقليمي والسياسي، علاوة على تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في المنطقة الأكثر اتساعاً إلى جواره - منطقة البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وما حول البحر الأسود.

فولفغانغ بيتريتش سفير النمسا إلى الولايات المتحدة في جنيف، وكان فيما سبق يعمل كمبعوث خاص من الاتحاد الأوروبي إلى كوسوفو، وكبير مفاوضيه في محادثات كوسوفو للسلام في رامبوليه وباريس، والممثل الدولي الأعلى في البوسنة والهرسك.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/عالم أوروبا

التعليق