من جدار برلين إلى جدار غزة

تم نشره في الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

منذ انقلاب حماس الدموي واستئثارها بالسلطة في قطاع غزة، وهي لا ترى أمامها سوى خيارين للخروج من العزلة المفروضة عليها وعلى قطاع غزة بأكمله. الخيار الأول هو أن تتخلى عن "مكتسبات" الانقلاب وإعادة الوضع كما كان عليه قبل الانقلاب. ولا يبدو أن هناك فرصة لتحقيق ذلك ويبدو أن على الرئيس عباس أن يتوقف عن هذا الشرط، إن كان جادا في الحفاظ على وحدة الفلسطينيين السياسية. فثمة ما يشير أن عباس لن يستعيد غزة بفرض الشروط المعروفة، بخاصة بعد هزيمة فصيله "فتح" على أرض المعركة. وكما يقال انه لا يمكن أن يعود العراق إلى ما قبل سقوط نظام البعث يبدو لي أن ثمة دروساً على السلطة الفلسطينية أن تتعلمها من ذلك.

أمّا الخيار الثاني فهو أن تغير حماس من برنامجها السياسي، وتقبل بشروط الرباعية الدولية. ومن المستبعد على المدى القريب والمتوسط أن تقوم حماس بهذا الأمر.

وأخيرا جاء خيار فك الحصار بالقوة. لم يكن متوقعا على الإطلاق أن تنجح حماس في محاولتها لفك الحصار بهذه الطريقة وتكرار سيناريو ما حدث بعد هدم حائط برلين، وذلك لاختلاف الظروف وزوال مبرر وجود ذلك الحائط. في غزة الأمر مختلف تماما، فهناك اتفاق في الرأي بين مصر وإسرائيل على ضرورة بقاء الحائط، كلٌ لأسبابه الأمنية المختلفة.

ردود الفعل الإسرائيلية تراوحت، كما يقول شلومو بروم، بين اعتبار ذلك نصرا لحماس في بداية الأمر حتى ظهر من يقول أن هناك فرصة لإسرائيل للتخلص من مسؤولية القطاع وإلقاء العبء على مصر. ثمة سذاجة في الموضوع لأن نقل المسؤولية إلى مصر يتطلب توفر شرطين على الأقل لا يمكن أن نتخيل، كتاباً ومتابعين، بأنهما سيتوفران على المدى المنظور. الشرط الأول هو قبول مصر بهذا الدور، والشرط الثاني هو قدرة مصر على لعب هذا الدور.

من خلال ما يصدر من تصريحات عن المسؤولين المصريين، يتضح انه لا يوجد نية عند المصريين لقبول هذا الدور. فهو مضر بالأمن الوطني المصري وبخاصة أن مصر تعاني من هشاشة أمنية، أو يمكن القول انكشاف شبه استراتيجي في منطقة سيناء الرخوة التي يتسلل منها الإرهابيون، وقد ضرب الإرهاب طابا، وقبل ذلك ضرب شرم الشيخ. ففتح الحدود مع غزة سيقوّي من احتمال تسلل الإرهابيين واستهداف مصر، هكذا يعتقد المصريون.

أما فيما يتعلق بقدرة مصر على لعب هذا الدور فإن هناك شكوكا قوية أيضاً. فالاعتمادية الاقتصادية لسكان القطاع على إسرائيل هي من القوة التي لا تمكن مصر من تعويضها. فمن الممكن أن توفر مصر لسكان القطاع القدرة على تصدير منتجاتهم، لكن ذلك أكثر كلفة بكثير من ميناء اشدود على سبيل المثال لبعد المسافة. ثم أن الاقتصاد المصري والغزّي ليسا في وضع تكاملي بل تنافسي. بمعنى أن السوق الإسرائيلية توفر دخلاً كبير لسكان القطاع لأنها توفر لهم فرص عمل لا يمكن أن يجدها الغزِّيون في مصر وبخاصة في سيناء الصحراوية. من هنا لا يمكن أخذ دعوة حماس لفك الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي والتحول باتجاه الاقتصاد المصري محمل الجد، لعدم رغبة مصر في ذلك، ولعدم قدرتها؛ ولأن ذلك يخلق معضلات اقتصادية كبيرة لسكان القطاع.

 لا يمكن اختزال مشكلة غزة بوجود حماس، فهنالك بعدٌ حيوي له علاقة بالبنية الاقتصادية للقطاع. فعندما جاع الشعب لجأ إلى فك الحصار بالقوة، لأنه يريد أن يوفر احتياجاته الأساسية. الآن ربما تعود الأوضاع كما كانت؛ بمعنى أن المصريين لن يسمحوا بأن يستبيح الغزِّيون حدودهم بهذه الطريقة التي شاهدناها.

في المقابل لا يبدو أن عباس يستبطن أنه انهزم في غزة، ولا يبدو أن حماس مستعدة للتخلي عن "منجزات" الانقلاب. ولا يستطيع الجانب الإسرائيلي التخلي عن مسؤولياته تجاه غزة، ولا يستطيع حل المشكلة الأمنية المتمثلة "بصواريخ" القسام؟

إذن؛ ما العمل؟ هنالك من يفكر في إسرائيل باجتياح كامل للقضاء على حماس، لكنه خيار مكلف. وتفكر حماس في خلق خيار آخر بالتصعيد مع إسرائيل، لعل الأخيرة توافق على اتفاقية وقف إطلاق نار وتبادل أسرى ورفع الحصار.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم عباس مهزوم (صايل محمد)

    الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008.
    تحليل ممتاز لكن لا أفهم لماذا إلقاء اللوم على حماس (بين السطور) أعتقد أن مصر تتعرض لضغوط من إسرائيل وهكذا نفهم التناغم المصري الإسرائيلي فيما يتعلق بالمعابر. أنت محق بأن على ابومازن أن يتقي الله بالشعب ويفهم بأنه إنهزم ولن يعود الى غزة.
  • »الهجوم على حماس (الدوافع والاسباب) (pal)

    الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008.
    يبدوا انها اصبحت موضه عند كتاب المقالات في التهجم على هذه الحركه المجاهده التي تدافع عن ما تبقى لدينا من كرامه وعز، نعم يا كاتب المقال حماس نجحت وستنجح بكسر الحصار وان غدا لناظره قربب

    واما الاغرب في مقالك فهو الادعاء ان ما حدث هو انقلاب وكأن حماس التي تمثل اكثر من 60 بالمئه حسب الانتخابات من الشعب الفلسطيني جاءت على صهوة دبابه او توارثت الحكم كما يفعل "البعض"، اني لاكاد اقسم ان اغبى تسميه سمعتها هي تسمية ما حدث في غزه بالانقلاب