"أنين إسرائيل" وأنين فلسطين

تم نشره في الأحد 10 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

من الصعب جدا مناقشة الضحية حين تكون تتلقى ضربات عدوانية مميتة، وخاصة حينما تكون هذه الضحية شعبا بأكمله، وهذه قاعدة التزمت، وما أزال التزم بها، ولكن هناك من يُكرهنا على أن يكون أيضا لهذه القاعدة شواذ، حين تسمع من يقلب المعادلة رأسا على عقب، ليصبح المعتدي ضحية،"يئن تحت ضربات" ضحيته.

واختراق هذه القاعدة أصبح ضروريا، ليس من منطلق مقارعة أحد، بل من أجل الدفاع عن الشعب وقضيته وحقيقة روايته، والسعي لعدم إغراقه في أوهام تضلل طريق نضاله، وتوقعه في إحباط خطير.

ففي يوم الخميس الأخير(7 شباط/ فبراير) ظهر المتحدث باسم حركة حماس في قطاع غزة فوزي برهوم، من على إحدى الشاشات الفضائية الإخبارية، ليقول إن "العدو الإسرائيلي أصبح يئن تحت ضربات المقاومة.

إن خطاب متحدث حماس، وحتى إذا أراد منه رفع معنويات المقاومين الفلسطينيين، وهو أمر مشروع ومنطقي، إلا أنه بهذه الصيغة وهذا التعميم إنما يخدم، بغير قصد، المزاعم الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي بأنها "ليست دولة معتدية"، وأن كل ما تفعله في قطاع غزة يندرج في إطار "الدفاع عن النفس، وعن مواطني إسرائيل".

وهذه المزاعم تلقى رواجا في الحلبة الدولية، خاصة وأنها مدعومة بشكل مباشر من الإدارة الأميركية وزعيمها جورج بوش، وأيضا لدى حكومات دول القرار العالمي، وفي نفس الوقت فإنها لجمت إلى حد ما الرأي العام في الدول الأوروبية، وغيرها، الذي طالما وقف إلى جانب القضية الفلسطينية، وضغط على حكوماته لتضغط بدورها على إسرائيل المعتدية.

وعلى أساس أنها "ضحية"، تبرر إسرائيل جرائمها ضد شعب بأكمله، من تجويع وتدمير وقتل، وهي تعرف أن تبريرها اللا منطقي يلقى آذانا صاغية عالمية في ظل اختلال التوازنات لصالحها، فهل نزيد من عندنا لهذه الرواية الكاذبة لنثبّتها كحقيقة.

وأكثر من هذا، فقد اتبعت إسرائيل في السنوات الأخيرة أسلوبا لتبرر مسبقا ضرباتها الدموية القاتلة على الشعب الفلسطيني، فقبل كل عدوان واسع، كانت تضخم من ناحيتها حجم "عدوها"، وما بحوزته من أسلحة "تهدد بإزالة الكيان الإسرائيلي برمته".

وهذا ما اتبعته على الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وشتان بين سلاح مقاومة متواضع، وبين أسلحة فتاكة لدولة تنتج السلاح وتجربه على أجساد الشعوب التي تحاربها، وفي المقابل فقد كنا وما نزال نشهد فصائل مقاومة تقع في الشرك الإسرائيلي، وتنجر في مغامرات ليست محسوبة، وغالبا ما كانت نتائجها مدمرة، ولم تساهم في دفع القضية الأساس إلى الأمام.

إن الخطورة في تضخيم خطاب المقاومة، وأي مقاومة، ولكن بشكل خاص في حالتنا الفلسطينية، تتركز في اتجاهين أساسسيين، الأول أنها تغيب الحقيقة والواقع، وتمنع وضوح الرؤية، وهو الشرط الأساسي لمعرفة كيف تواجه عدوك.

والثاني هو أنه يرفع مستوى التوقعات لدى الشعب، الذي سيتضح له بعد فترة قصيرة أن الأمور لا تسير بموجب تلك الأوهام، وهذا ما يقود إلى حالة يأس وإحباط، وهذا هو "الوصفة المثالية" لشل النضال الشعبي.

فالمسألة ليست مسألة مقاومة أو عدمها، أو طأطأة الرأس أمام عدو مجرم والاستسلام لقوته، ومن البديهي أن كل شعب يقع تحت الاحتلال تكون كل وسائل المقاومة متاحة أمامه لتحقيق أهدافه، ولكن مهمته في وضعية كهذه هي أن يختار أسلوب المقاومة الأكثر نجاعة وفق ظروف المرحلة، والكفيل بدفع قضيته إلى الأمام.

إن من أخطر ما يواجهه نضال شعبنا الفلسطيني في هذه المرحلة هو تغييب النضال الشعبي بشكل قسري، رغم ان الجاهزية ما تزال موجودة، فعلى الرغم من الانعكاسات السلبية على المدى المتوسط والبعيد، لتفجير الجدار الحدودي بين قطاع غزة ومصر، فإنه لم يكن بالإمكان منع الانفجار الشعبي الإنساني الذي سعى الشعب من خلاله لتأمين لقمته.

وهذا الانفجار الشعبي، وما سبقه من انفجار شعبي بعدة أيام إثر انقطاع التيار الكهربائي عن القطاع، كان سلاحه الجسد لا أكثر، هو وفقط هو الذي حرّك الرأي العام العالمي، وبالتالي حرّك الأسرة الدولية لتضغط على إسرائيل وتجبرها على إعادة الوقود لتشغيل التيار الكهربائي في قطاع غزة، ولإدخال المواد الغذائية الأساسية للقطاع، وليس مئات القذائف التي أطلقت من قطاع غزة، ولا اللقاء غير المبرر بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، في هذه المرحلة، لأنه لا منطق للقاءات سياسية في ظل حصار تجويعي إجرامي بهذا المستوى الوحشي.

في هذا الانفجار فإن المأساة مزدوجة، لأن مئات الآلاف خرجت إلى الشارع منفجرة نحو رغيف الخبز، وليس ضد المحتل، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، وهو بحد ذاته مأساة، أما الجانب الآخر لهذه المأساة، فهو التغييب القسري لهذه الجماهير التي كانت زخم انتفاضة الحجر، في أعقاب تسليح الانتفاضة الشعبية الثانية، التي أخمدها السلاح الفلسطيني وفوضويته،بعد ثلاثة أسابيع على انطلاقها في خريف العام2000.

إن الانتفاضة الشعبية هي وحدها القادرة على تحريك مجتمعات العالم، فقد اخترقت في حينه الشارع الإسرائيلي وأحدثت فيه انقلابا في العام 1992، وحركت الرأي العام العالمي الذي تحرك معنا في سنوات الثمانين والتسعين، وضغط بالتالي على الحكومات الأوروبية لتضغط بدورها على إسرائيل، لترى الإدارة الأميركية نفسها وحيدة، في حينه، واضطرارا منها لمواجهة مد التأثير الأوروبي في المنطقة، ضغطت هي أيضا على إسرائيل، وهذا الضغط أدى للإطاحة بحكومة إسرائيلية.

إن الاحتلال لا يئن، يا أستاذ فوزي برهوم، بل شعبنا هو الذين يئن من شراسة المحتل، ولكن أنينه اليوم أصبح مزدوجا، وحتى أن الأنين الثاني هو أكثر حُرقة، لأنه أنين بسبب ضربات أبناء جلدتنا، الذين فرضوا محاكم تفتيش وتخوين جديدة.

إن القضية الفلسطينية أكبر بكثير من أن تكون مشروعا حزبيا لأي طرف كان، والويل لنا حين يتم تسخير مسارات النضال من أجل كسب أوراق حزبية فئوية ضيقة على الساحة الداخلية، على حساب المصلحة الجماعية للشعب ومشروعه الوطني، في الوقت الذي يسعى فيه المحتل إلى اقتلاع الساحة برمتها ومعها المشروع الوطني الفلسطيني.

أعطوا الشعب الفلسطيني حق المقاومة وفق تقاليده ووفق فهمه للأمور، ولا تحتكروا مقاومة لم تحقق لنا شيئا، لا بل ساهمت، بغير إرادتها، ولكن بسبب فوضويتها، وفوضوية خطابها، في مشروع المحتل لإغراقنا في دوامة تشكل خطرا على مستقبل مشروعنا الوطني الجماعي.

صحافي وكاتب- الناصرة

[email protected]

التعليق