إيران والاستراتيجيات الدولية

تم نشره في الأربعاء 30 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

أعاد الرئيس الأميركي جورج بوش بتوجيه رسالة واضحة إلى إيران مضمونها "ضعوا (الإيرانيون) جانبا الطموحات النووية وأوقفوا القمع في بلادكم وأوقفوا دعمكم للإرهاب في الخارج، كي نبدأ ببناء حوار. ولكن اعلموا جيدا أن الولايات المتحدة ستواجه كل الذين يهددون جنودها وستقف إلى جانب حلفائها وستدافع عن مصالحها الحيوية في الخليج". هذه الرسالة جاءت تأكيدا لما سبق وقاله الرئيس الأميركي في أبو ظبي، لكن الفرق هنا هو أن المخاطب الأكثر أهمية بالنسبة للرئيس هو الرأي العام الأميركي الذي ربما تصور أن تقرير مجلس الاستخبارات الأميركية قد يغير مسار الإدارة الأميركية، فيما يتعلق بالتعامل مع إيران وملفها النووي.

الرئيس الأميركي أعاد أيضا في رسالته التأكيد على ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين اولبرايت، عام 2002 التي أكدت أن الخلاف الأميركي- الإيراني ليس ضد الشعب الإيراني، وإنما ضد النظام السياسي الإيراني: " لسنا على خلاف معكم، فنحن نحترم تقاليدكم وتاريخكم ونتطلع إلى اليوم الذي تحصلون فيه على حريتكم".

هذا الخطاب يأتي في وقت لا يزال مشروع العقوبات الثالث- الذي تحاول فرنسا والولايات المتحدة كسب تأييد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين في مجلس الأمن الدولي له- يواجه أزمة كبيرة في إقراره. فالانقسام الموجود حول توقيت مشروع العقوبات (هذا) قبل صدور تقرير محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأسبوع الثالث من شهر شباط، وهناك عدم حماس روسي صيني لصدور هذا المشروع قبل تقرير البرادعي، وهو الأمر الذي ينعكس على مدى تأييد أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين مثل جنوب إفريقيا لهذا المشروع.

الفرضية الأميركية، التي تلاقي كثيراً من المساندة من فرنسا، تقول إن مشروع العقوبات رقم 1747 والذي أقره مجلس الأمن في آذار عام 2007 كان قد طالب باتخاذ إجراءات أشد ضد إيران بعد مرور 60 يوما إذا لم توقف طهران تخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي لم يحصل، لذلك لا يجب الربط بن مشروع العقوبات الثالث وتقرير محمد البرادعي القادم طالما أن إيران قد ضربت بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن السابقة.

واشنطن أيضا تحاول بتشددها توجيه رسالة للداخل الأميركي وللخارج بأنّ تقييم مجلس الاستخبارات الأميركي ليس له من تأثير على سياسة الإدارة الأميركية وتعاملها مع الملف النووي الإيراني. ويبدو أن هذا الأمر ينسجم مع الرد البريطاني إذ اعتبر وزير خارجيتها أن التقرير المذكور قد تحدث عن جانب من ثلاثة جوانب إشكالية فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي وهي التخصيب والتسليح والصورايخ البالستية.

فإذا ما سلمت الدول ومنها الولايات المتحدة بصحة ودقة ما ذهب إليه التقرير فإن هناك الكثير من علامات الأسئلة حول التخصيب وبرامج الصواريخ البالستية الإيرانية. من هنا فانه لا يبدو أن الأجواء تنبئ بتهدئة بين إيران والولايات المتحدة بخاصة وان واشنطن لا زالت تربط العنف في العراق بالعون الإيراني.

 

في السياق نفسه فإن الشروط التي تضعها الإدارة الأميركية لبدء حوار مباشر مع إيران حول البرنامج النووي وقضايا أخرى إنما يعزز في الحقيقة الحضور السياسي لتيار سياسي معين في إيران وهو تيار المحافظين الجدد  الذي يستمد جزءا من تركته الفكرية من المحافظين التقليديين، فالمحافظون الجدد يشعرون، اليوم، أنهم باستئناف التخصيب والإصرار علية دفعوا بالولايات المتحدة للحديث عن التفاوض مع إيران. فمزيد من التشدد الإيراني سيجبر الولايات المتحدة في مرحلة ما للتنازل عن بعض شروطها بخاصة مع التراجع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق ولبنان وغزة. لذلك قد يستثمر المحافظون الجدد هذه الورقة (البرنامج النووي والتراجع الأميركي) في الانتخابات البرلمانية القادمة في آذار 2008، لكنهم في ذات الوقت يجدون أنفسهم في وضح حرج فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي لحكومة الرئيس أحمدي نجاد والذي كانت وعوده الانتخابية تركز على البعد الاقتصادي وتحسين مستوى حياة الإيرانيين.

إن مشروع العقوبات الجديد سيكون أكثر تشددا بخاصة إذا ما أعطي الضوء الأخضر بتفتيش السفن والشحنات المتجهة إلى إيران، وكذلك إذا ما فرض نوعاً من التشدد على المؤسسات المالية التي ما زالت تتعامل مع إيران. لكن مع ذلك كله يبقي السؤال حول مدى التزام الدول الأعضاء بحرفية هذه القرارات، فالحصول على الدعم الإعلامي والسياسي لهذه القرارات شيء وتطبيقها شيء!

باحث في مركز الدراسات الاستراتجية- الجامعة الاردنية

[email protected]

التعليق