مستقبل تيار الاعتدال الإسلامي

تم نشره في الثلاثاء 29 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

تيار الوسطية هو تيار ممتد عبر التاريخ، وهو في الشرع راسخ في القرآن والسنة، حيث حذرت السنة النبوية من الغلو، ورغبت بالتيسير والتخفيف، وجاءت السلوكيات النبوية مؤكدة على ذلك.

ان المجتمعات الانسانية مرّت بمراحل متعددة، برزت خلالها أفكار متشددة، أخذت من الدين الجوانب الأكثر صعوبة، بل وبالغت فيه، حتى تصوّر بعض الناس أنها هي الجانب المهم، حتى طغت هذه الصور على حياة بعض المجتمعات الإسلامية، مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم خطَّ منهجاً وسطياً واضحاً لا لُبس فيه من خلال علاقة العزائم بالرخص (إنّ الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه).

هنالك قواعد كثيرة وشواهد متنوعة تؤكد أصالة تيار الوسطية فهو تيار ضارب في أعماق التاريخ الإسلامي. إن الوسيطة ليست عقيدة، بل منهج حياة، منهج في فهم نصوص الشرع، منهج في التدين، منهج في تطبيق الشرع، منهج في التعامل مع المجتمع، فهو منهج حياة يجب أن نربي عليه أنفسنا وأمتنا في كل شؤون الحياة في السياسة والإقتصاد والاسرة.

الوسطية قناعة فكرية، وسلوك عملي، وعاطفة منغرسة في الإنسان، وليست تكتيكاً أو انغلاقًا للفكر أو انحطاطاً للعاطفة. الوسطية أمر يتجدد مع الوقت، وسلوك يتربى عليه الإنسان تدريجياً، في تدريب ومهارة. والوسطية في منهجها تقوم على أمرين رئيسين هما: التجديد والحوار.

التجديد حيوية وحركة ديناميكية مستمرة، تتحرك عبر التاريخ،  وفي كل عقد من الزمن تتجدد الوسطية. التجديد لا يرتبط فقط بالفكر، بل هو مرتبط بمكونات الشخصية الإنسانية الأساسية: الفكر والوجدان والسلوك. تجديد الفكر يكون من خلال الاستفادة من منجزات الآخرين، والحضارة الإنسانية، والتجديد الفكري يعني الاجتهاد والجرأة في الاستفادة من الإرث الإنساني.

التجديد تفاعل مستمر مع الواقع وحاجاته، ومع الفكر والإرث الإنساني، ومن هنا فقد ناقش العلماء المسلمون علاقة العقل بالنقل، أي علاقة المعقول والمنقول لأن كل فكرة التجديد تقوم على هذه الجدلية. وهي جدلية مستمرة، فنصوص الوحي تحتاج إلى الادوات المعرفية والعقلية، فلا يمكن فهم القرآن إلا من خلال أدوات ومعطيات ذهنية وعقلية، ولذلك وجدت مدارس في التفاسير.

إن فهم نصوص الدين يرتبط بأمرين اثنين، الأول: جهاز مفاهيمي يملكه الإنسان، والثاني: المعطيات التي يملكها العقل البشري فإذا تجددت المعطيات تجدد الفهم، وأعطى الإنسان أفكاراً جديدة ومنطلقات متطورة.

والتجديد الفكري والعملي في الإسلام ينبني على العلم البشري الصحيح، وإن الإطلاع على المدارس والتجارب البشرية السليمة والاختلافات البشرية المتنوعة طريق للإبداع والخروج بالأفكار الصائبة.

النوع الثاني: التجديد في الوجدان والعاطفة، لأن الإسلام يهتم بكل جوانب الشخصية الإنسانية، إن منهج التجديد في العاطفة يحتاج إلى العقل والحنين إلى الصفاء، والماضي وهو نوع من أنواع المجاهدة الذاتية للإنسان ليرتقي بروحه وسلوكه وخُلقه إلى أعلى المستويات الإنسانية.

النوع الثالث: التجديد في العمل والسلوك، او ما يُسمى المهارات العملية التي يتقنها الإنسان، فنحن بحاجة دائمة إلى تطوير سلوكنا كمسلمين، والاستفادة من كل العلوم الإنسانية المعاصرة للوصول إلى المقاصد الشرعية بأقل تكلفة وجهد ووقت، فإن صناعة العلم ليست حكراً لأمة من دون غيرها.

حوارنا كتيار الوسطية والاعتدال حوار مفتوح على الجميع. حوار دائم ومستمر. حوار يكون آلية كبرى للتجديد والمعرفة بالآخر وبالواقع المعاش والمعرفة المجتمعة بالحياة. حوار متأن، بعيد عن التسرّع. حوار مع الجميع، لأن القرآن الكريم تناول كل صور الحوار مع الآخرين والسنة النبوية شاهد عملي ومتنوع للحوار مع الجميع.

لذلك على تيار الوسطية الاستفادة من أي تيار موجود في أي مجتمع، والاطلاع على تجارب الجميع، لأخذ صوابها وتجنب أخطائها للقيام بالوظائف الإيجابية في المجتمع.

الحوار قلب مفتوح، تأخذ وتُعطي، فالإنسان يأخذ بمقدار ما يعطي، وعلى تيار الوسطية أن يفتح أبواب الحوار ليس فقط مع مؤسسات المجتمع المدني والسياسي بل عليه فتح قنوات الاتصال مع الأنظمة والحوار مع الغرب.

إن الحوار مع الأنظمة يجب أن يكون قائماً على المصالح الوطنية، لأن الصراع مع الأنظمة جرّ الأمة إلى كوارث إنسانية وصراعات خطيرة، فإن الحوار يمكن أن يحلّ أعقد المشكلات مع الأنظمة، ولكن الحوار هذا يحتاج إلى صبر ومثابرة وجهد وتدافع.

اما الصورة الثانية للحوار فتتمثل بالعلاقة مع الغرب الذي يجب اليوم أن نعترف بأنه أصبح باباً للحضارة المعاصرة، ومن خلال الحوار مع الغرب نحاول التعريف بمصالحنا وتطعاتنا وصورنا الإنسانية السمحة، فالغرب ليس كل واحد، وإنما فيه من المؤمنين بالحوار وقبول الآخر من المسلمين.

الحوار مع الغرب فيه استفادة من التجارب الموجودة، بل يفتح أمام المسلمين مستقبلاً جديداً.

أمين عام حزب العدالة والتنمية المغربي، من محاضرته في منتدى الوسطية العالمي- عمان 27/1/2008 

التعليق