أيمن الصفدي

أولوية التعليم

تم نشره في الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

يبدي رئيس الوزراء نادر الذهبي اهتماما واضحا بقطاع التعليم. وذاك مؤشر على فهم مطمئن لأولويات البلد. فالحكومة إن نجحت في إطلاق مسيرة إنقاذ للعملية التعليمية من التدهور الذي أنهكها وأضعف مخرجاتها تُنقذ البلد من كارثةٍ ستنخر تداعياتها المنجز الوطني في كل القطاعات الأخرى.

بيد أنّ شرط نجاح العملية الإنقاذية هذه هو انطلاقها من تقويم موضوعي يحدد التشوهات الجذرية في منهجية الإصلاح التربوي التي اعتُمدت سابقا، تمهيداً لوضع خطة عمل توجه الجهود والموارد نحو مقومات العملية التعليمية الحقيقية وهي المعلم والمنهاج والبيئة المدرسية.

ذاك أن أولويات الإصلاح المنتهج سابقاً أغفلت هذه الركائز فتراجع أداء المدارس والجامعات وتدهور مستوى مخرجات التعليم. ورغم اللوحات الإنشائية التي ادّعت وجود استراتيجيات لتحسين ظروف المعلمين ومؤهلاتهم وتطوير المناهج والبنى التحتية، ظلت المدارس الأماكن البائسة التي صارتها نتيجةً حتميةً لإهمال المدرسين وتحاشي إدخال الإصلاحات الحقيقية على المناهج وهدر الموارد المالية على مشاريع استهدفت تغليف المشهد المدرسي بحداثةٍ لا أساس حقيقيا لها.

فالمعلمون ما يزالون يعيشون تحت خط الفقر. لا اعتبار لظروف معيشتهم حين يعيّنون في مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم. ولا جهد حقيقيا لتأهيلهم لمهنة التدريس. معظم الخريجين الذين يعيّنون في وزارة التربية والتعليم ينتقلون من الغرف الصفية في الجامعات طلبة إلى الغرف الصفية في المدارس معلمين. وكأنّ التدريس ليس مهنة لا يقدر على الإيفاء بمتطلباتها إلا من أُعِدّ لها تدريباً وتأهيلاً.

وكانت النتيجة أن أُحبِط المعلمون وتراجعت مؤهلات الكثيرين منهم. وانعكس هذا على العملية التعليمية. فالمعلم المحبط المسكون بهاجس العوز لا يستطيع أن يسهم في تطوير قدرات طلبته المعرفية.

والحال ليست أحسن في ما يتعلق بالبيئة المدرسية. معظم المدارس بيئات طاردة. آلاف الطلبة يؤمّون مدارس مكتظةً خاليةً من مرافق وخدمات أساسية. يعاني الطلبة في مدارسهم البرد في الشتاء ولا يجدون مرفقا صحيا نظيفا. وأفشل التخبط وغياب التخطيط المكتمل الفكرة الرائدة في إدخال الحواسيب إلى المدارس. فهذه، في مدارس كثيرة، كُدِّست في غرفٍ مغلقةٍ لغياب المدرسين القادرين على الإفادة منها أو لعدم توفر الإمكانات الفنية لتشغيلها. وفي إحدى الغرف الصفية في مدارس الجنوب النائية، مثلاً، استعمل الطلبة أجهزة الحاسوب مقاعد يجلسون عليها لعدم توفر المقاعد!

أما المناهج المدرسية ومنهجية التعليم فبوتيرة متنامية إلى وراء. الضعف الواضح في مستويات الخريجين دليل ذلك. ودق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جرس الإنذار عاليا حين خلص إلى أنّ المدارس تعلم الإذعان والخضوع لا الإبداع وآليات التفكير النقدي. ففي عصر ما بعد الحداثة والانفتاح غير المسبوق يُربّى جيل على قبول ما يؤمر لا على التفكر بما يدور حوله! فعن أي إصلاحٍ ما انفكوا يتحدثون؟!

العملية التعليمية في أزمة تبدأ في المدارس ولا تنتهي في الجامعات التي باتت امتداداً لفشل التعليم المدرسي. فداخل أسوار الجامعات يُحاصر الفكر ويُقزَّمُ التعليم العالي إلى تحفيظٍ لنصوصٍ جافةٍ يجترُّها الطلبة عند كل امتحان على طريق التخرج الموصلة، في أغلب الأحيان، حتماً إلى شهادة.

ضروري أن تعتبر الحكومة التعليم أولوية. وذاك يعني اعتماد خطة عمل مكتملة تعي الخطر الكامن في تراجع العملية التعليمية. فضعف مخرجات التعليم خطرٌ على المجتمع. وثمة خطر أيضا في السماح لثقافة الرفض والتيئيس، التي ينشرها في عديد مدارس مدرسون محبطون غاضبون، بصياغة قيم جيلٍ جديد. درء هذه الأخطار يتطلب بدء إنقاذ المعلمين من الراهن الذي أنهكهم وأنهك المدارس التي يقودون.  

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »education in jordan (Bana Sayeh)

    الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008.
    Dear Mr. Safadi, let me express you my gratitude for choosing such an important topic and please accept my sincere apologies for writing in English but my typing skills in Arabic needs improvement!
    Concerning the education in Jordan and since one of my professional responsibilities and personal interest is to look into the educational system in Jordan. My two-month learning period has been challenged with several remarks that still need more of deep analysis. No doubt as you mentioned the obstacles for improving the educational system can be linked to the lack of appropriate training offered to teachers, the low paid, and certain environmental factors, but my observations so far to the issue of deterioration in the educational system are link to social related factors. Education can not be separated from the society. I travel to nearby countries very often and paid visits to schools that suffer from over crowded class rooms and low paid teachers yet when talking to students they were impressive how they are encouraged by their teachers and parents to borrow books and learn to read various topics and then discussed them in school. Teachers and all those who accept to take part in the educational system have great responsibility toward our students. With all my respect but I disagree with some of the concepts you have mentioned in your article as if the government has the primary task to improve the system of education. The role between government in finding the right means, the teachers who implement the curricula as well as the family that improve and develop skills of students; all these groups hold sharing responsibility for improving or God forbids for more deterioration in the system. I personally believe that education starts at home, enhanced at school and developed at home. With all my appreciation to the government approach in improving the educational system but I think efforts cannot be achieved without the joint efforts of all the concerned in the society.
    Thank you
  • »الأولوية للمعلم (فادي العوامره)

    الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008.
    الإهتمام بالتعليم لا ينجح إلا إذا سبقه اهتمام حقيقي بالمعلم.
    المعلم في وقتنا أصبح في وضع حرج، وليس أدل على ذلك ما نراه من الإبتعاد الواضح من قبل خريجي الجامعات عن مهنة التعليم، ولا بد أن الحكومة منتبهة لتلك الملاحظة، حيث قرأنا عن زيادة متوقعة في رواتب المعلمين ممن يعملون خارج مناطقهم حتى وداخلها.
    المعلم اليوم يحتاج إلى وقفة الحكومة بشكل قوي معه لتعود للمعلم هيبته وبالتالي يعود للتعليم رونقه .
  • »الهوة الواسعة (الحميدي)

    الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008.
    انا خريج المدارس الحكومية والخاصة في الثمانينات ولم يكن هناك سوى عدة مدارس خاصة وكان المنهاج الاردني يعتد والمعلم له إحترامه والاول على الصف له إمتيازاته.الان هناك مستثمرون في القطاع التعليمي هدفهم الربح المادي ,المدارس الحكومية أصبحت خرابات بالمقارنة مع الخاصة ,المعلمون لا يجدون الاحترام ولا الطعام ,المناهج غيرت لتواكب العصر والشعارات البراقة والالقاب الرنانة هي جل إهتمام التربوييون الجدد.إن العولمة الجديدة لن تغير الحال إذا لم تتغير العقول اولا!!
  • »من يحمي ابناءنا من مستقبل مجهول غير التعليم الحضاري (يزن)

    الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008.
    نريد تعليما ممتازا لأبناء الأردن لكي يحظوا بحياة كريمة وينافسوا العمالة الأجنبية في الخليج وغيره. كفانا أولويات مغلوطة تضر بالأردنيين وبمستوى الأردن بين الأمم. كفانا تراجا بالمؤشرات التنموية. كفانا اطلاق شعارات عن الإنسان تتنافى مع الواقع. كيف سيكون الأردن أولا بنظام تعليمي متأخر؟ كفا نا ذر رماد بالعيون بشعارات براقة من اناس لايفهموا معناها ويعملوا ضدها. من يحمي ابناءنا من مستقبل مجهول غير التعليم الحضاري
  • »اعطوا الخبز خبازه... (محمد البطاينة)

    الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008.
    الاردن بلد يزخر بكفاءات متميزه وكثير من هذه الكفاءات اثبتت تميزا وعطاء -للاسف- خارج الاردن / والسبب الاساس في ذلك اضافة لما ذكره صاحب المقال العزيز ايمن الصفدي هو عدم قدره النظام التعليمي بمختلف مراحله على افراز قبادات ميدانيه او على المستويات العليا بسبب تدخل كل قطاعات الدوله في عمل المدرسين وعدم اتخاذ الكفاءة معيارا للترقية بل الواسطة والمحسوبية والشلليه التي تنتهك قدسية مهنة التعليم وتحولها الى مهنة من لا مهنة له ....