مجازر غزة: الدافع والذريعة

تم نشره في الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

صعّدت إسرائيل في الأيام الأخيرة من ضرباتها لقطاع غزة، لتوسع بذلك حلقة سفك الدماء المستمرة منذ أشهر طويلة، حتى إن عدد الشهداء الذين سقطوا حتى نهاية الأسبوع الماضي يفوق عدد الذين سقطوا خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) كله.

وقبل أي حديث يجب لفت النظر إلى أن ما أصبح يحكم رد فعلنا هو احصائيات وأرقام، فالضجة الإعلامية وحتى السياسية تكون بحجم العدد اليومي للشهداء، بمعنى أن سقوط 18 شهيدا في يوم واحد هو جريمة ومجزرة، أما سقوط شهيد واحد يوميا، فيكون مجرد رقم عابر، وكأن هذا الفرد ليس له عالمه ومجتمعه الذي افتقده، وهذا بحد ذاته جريمة لم نقترفها نحن، وإنما المجرم الأساسي الذي فرض علينا أن نتأقلم مع واقع: في كل يوم شهيد على الأقل.

السؤال الذي يُطرح الآن، ما هو سبب التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، وردا على هذا نستمع إلى إجابتين هما الأكثر انتشارا، فالجواب الإسرائيلي، الذريعة، هو "الرد على إطلاق القذائف الفلسطينية باتجاه البلدات الإسرائيلية"، أما الإجابة التي نسمعها عربيا وغيرها، هي محاولة اجتهاد تتجاهل الجوهر ويقول: "إن أولمرت يبحث عن تفجير قبل صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد المكلفة ببحث مجريات الحرب عن لبنان، الذي قد يوجه انتقادات لأولمرت تحسم مصيره السياسي".

في الوقت الذي نرفض فيه الذريعة الإسرائيلية، فإنه بالنسبة للإجابة السريعة الثانية، لا يمكن الغاؤها كليا، وقد نعطيها وزنا من 2 إلى 3% على الأكثر، لأن وزن القرار الأساسي بتفجير الوضع مع قطاع غزة، قد تم اتخاذه منذ زمن طويل، ليتماشى مع الاستراتيجية الإسرائيلية بالبحث عن كل وسيلة لتفجير أي مسار تفاوضي يقود إسرائيل لتقديم أجوبة موضوعية وعملية وواضحة للملفات الأساسية في الحل الدائم، مع الفلسطينيين.

وقد اختارت إسرائيل قطاع غزة كمسرح لتفجير الأوضاع، من خلال استغلالها للانقلاب الذي نفذته حركة حماس في قطاع غزة، ورفض الحلبة الدولية له، ولكن ليس بسببه، كما يحلو لبعض الجهات الادعاء.

وما يدعم هذا هو تعامل حكومة الاحتلال مع قطاع غزة في اليوم التالي لإخلاء المستوطنات في قطاع غزة في صيف 2005، فقد حولته مباشرة إلى سجن كبير وتحكمت بمعابر القطاع مع مناطق 1948، وبمعبر رفح مع مصر، الذي كان من المفروض ان يكون المتنفس الأكبر للقطاع مع العالم الخارجي، وهذا يدعم استنتاج أن الاحتلال الإسرائيلي لم ينته في قطاع غزة، وهو ما حاولت إسرائيل ادعاءه في العالم، لتزيل عنها المسؤولية التي يلقيها القانون الدولي على كل دولة تمارس الاحتلال.

وإذا كانت إسرائيل تريد التخلص من ورطتها في داخل قطاع غزة، فإنها أيقنت في الوقت ذاته، أن نجاح السلطة الوطنية في إدارة مجتمع قطاع غزة، سيشجع العالم للضغط عليها لتواصل انسحابها من الضفة الغربية، ولهذا فإن الهدف الأساسي من محاصرة وضرب قطاع غزة، هو إفشال التجربة الفلسطينية كسلطة في منطقة جغرافية معينة، ولكن ذريعة إسرائيل كانت "تهريب الأسلحة عبر الأنفاق من مصر"،  مستغلة اختلال توازن القوى العالمية لصالحها، وبدعم أميركي أعمى.

أما من حيث التوقيت، فقد كان واضحا منذ البداية ان التوقيت الذي أقرته إسرائيل هو بعد انتهاء لقاء أنابوليس، وهي بالفعل باشرت في تصعيد وتكثيف عدوانها على قطاع غزة بعد ذلك اللقاء الدولي، وبذلك حققت الهدف الذي تسعى له، فكلنا يذكر تاريخ الثاني عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) كموعد لانطلاق مفاوضات الحل النهائي، وهي لم تبدأ فعلا، ونستحضر هنا ما قاله في هذا النقطة بالذات، كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات.

وقد يرى البعض ان العدوان لم يبدأ بعد، وأن إسرائيل لا تزال "ترد"، وهذه هي المناورة الدموية التي تخوضها إسرائيل، فقد أشغلت العالم بقضية "الاجتياح البري" لقطاع غزة، لتظهر وكأنها ما تزال تتردد في خوض هذا الاجتياح، ثم تنشر وسائل الإعلام الإسرائيلية، المجندة لخدمة الاحتلال، عن حسابات إسرائيل في اجتياح كهذا، وأن هذا سيكلفها من 90 إلى 120 جنديا قتلى، وهذه سيناريوهات إسرائيلية معروفة، تهدف إلى تضخيم ما يواجهها في الطرف الآخر، من أجل أن تبرر مسبقا وحشية وإجرامية عدوانها.

ولكن في الوقت الذي "ينتظر" فيه العالم هذا "الاجتياح البري"، فإن إسرائيل تحقق النتائج التي تسعى لها، من خلال توغلات قصيرة وسريعة، أو من خلال ضربات جوية، دون أن يضطر جنود الاحتلال للغوص في وحل غزة ثانية.

وهنا يجدر التوقف عند تصريحات وعبارات قصيرة وسريعة يطلقها قادة إسرائيل في الأيام الأخيرة، في سبيل مخاطبة جمهورهم، كأن يقول أولمرت: "نحن لسنا ملزمين بالبوح بكل ما نفعله في قطاع غزة"، أو أن يقول نائب وزير الحرب الإسرائيلي متان فلنائي لإذاعة جيشه تعليقا على المجزرة التي سقط فيها 18 شهيدا، "إن ما يحدث هناك هو أجمل ما يمكن رؤيته".

وما يعزز هذا هو احصائيات الدم التي يعترف بها جيش الاحتلال: في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) قتل الاحتلال 36 فلسطينيا، وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) 50 فلسطينيا، ومنذ مطلع الشهر الجاري وحتى صباح (السبت) التاسع عشر منه، تم قتل 63 فلسطينيا، وأمام معطيات رهيبة كهذه ما حاجة إسرائيل باجتياح بري يكلفها تجنيد آلاف جنود الاحتياط؟

ورغم ذلك فإن كل الاحتمالات ما تزال مفتوحة، وعلى رأسها تنفيذ اجتياح بري واسع، إذا أيقنت إسرائيل أن بإمكانها تحقيق جرائم أكثر، بأقل ما يمكن من خسائر لها.

وهنا قد يسأل سائل، وآمل أن لا يكون بيننا "سائل كهذا"، كيف يتماشى هذا مع خطاب أولمرت المعسول عن "السلام"، وعن "إصراره" على دفع العملية السياسية، حتى "بثمن" خسارة جزء من ائتلافه، هذه الخسارة التي لم تكن بسبب المفاوضات مع الفلسطينيين وانما لاعتبارات حزبية داخلية.

وحتى إن لم يكن "سائل" كهذا نجيب، أن أولمرت لم يشذ للحظة عن كل أسلافه في رئاسة حكومات إسرائيل منذ العام 1992، فالجهاز العسكري والأمني، الموجّه الأساسي لسياسة إسرائيل أيقن في أوج انتفاضة الحجر الفلسطينية التي انطلقت في نهاية العام 1987، ان إسرائيل لم يعد بإمكانها مواصلة الاحتلال الكلي لفلسطين التاريخية، أو حسب القاموس الصهيوني "أرض إسرائيل الكاملة".

ولهذا فقد وضعت تلك المؤسسة الأمنية استراتيجية للخروج من هذا المأزق بأقل ما يمكن من خسائر استراتيجية جغرافية للاحتلال الإسرائيلي، وإذا رسمنا خطا بيانيا لمواقف ونهج حكام إسرائيل، منذ مؤتمر مدريد في خريف العام 1991، مرورا بأوسلو وحتى اليوم، بما حملته حكومات إسرائيل من زعامات يمينية ويسارية صهيونية، فنرى أن مجال تحركهم كان في داخل دائرة محددة، "سمحت لنا" برؤيتهم بألوان مختلفة، ولكن من حيث الجوهر، فإنهم يسيرون وفق استراتيجية واحدة.

الاستيطان تفاقم وتضاعف بأكثر من 200% خلال 15 عاما، والقدس تقطعت أوصالها، أما مهمة "الناطور" أولمرت، فهي المماطلة إلى حين انتهاء بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية والقدس المحتلة، لتعلن إسرائيل حدودها من جانب واحد، وعندها ستقول تفضلوا وفاوضوا، وهذا هو جوهر "خطة التجميع" الذي يزعم أولمرت انه تخلى عنها، ولكن هذا موضوع أوسع من إيجازه بأسطر وقد نأتي عليه لاحقا.

صحافي وكاتب- الناصرة

[email protected]

التعليق