سيناريوهات مصير أولمرت بعد فينوغراد

تم نشره في الثلاثاء 8 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

بدأت الحلبة السياسية في إسرائيل تكثف تحركاتها بعد إعلان اللجنة الإسرائيلية الرسمية، المكلفة بفحص مجريات الحرب على لبنان، "لجنة فينوغراد"، أنها ستصدر تقريرها النهائي في الثلاثين من الشهر الجاري.

وحسب ما نشر في وسائل إعلام إسرائيلية، وأيضا كما هو متوقع، فإن التقرير من المفترض أن يتضمن انتقادات حادة ومباشرة ضد رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، ووزير الحرب في حينه عمير بيرتس، ورئيس أركان الحرب في حينه، دان حلوتس، وأيضا ضد قيادات ميدانية في جيش الاحتلال.

كذلك من المتوقع أن يتضمن التقرير انتقادات لحكومات إسرائيل المتعاقبة منذ انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في ربيع العام2000 وحتى اليوم، في إطار استعدادات إسرائيل لأي تدهور أمني على الحدود مع لبنان.

وكثيرا ما جرى ويجري الحديث في إسرائيل عن أن التقرير سيكون مصيريا على مستوى المصير السياسي لشخص أولمرت، وأيضا لمصير حكومته، وهناك عدة سيناريوهات متوقعة لما سيكون بعد فينوغراد، مرتبطة بعدة عوامل من بينها مضامين معينة تساهم في تحديد مصير أولمرت وحكومته.

ونستعرض في ما يلي السيناريوهات الأساسية لما بعد فينوغراد.

بداية في حال تضمن التقرير، حسب ما ينشر الآن، انتقادات حادة لأولمرت، خاصة في ما يتعلق بإدارته للحرب، وبطريقة وآلية اتخاذ القرارات، فإن رد الفعل الأول سيكون ظهور ضغوط سياسية، من جانب المعارضة اليمينية بالأساس، تطالبه بالاستقالة من منصبه، وحل حكومته والتوجه إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وهذا رد فعل سيكون في كل الحالات وفي كل المضامين.

كذلك من المتوقع ان يتم استئناف المظاهرات الشعبية، التي تقودها جهات يمينية من خلف الكواليس، من خلال أطر وحركات بتسميات مختلفة، مثل جنود الاحتياط، وغيرهم، تتظاهر وتطالب أولمرت بالاستقالة، كما كان الحال بعد صدور التقرير المرحلي في نهاية شهر آذار (مارس) الماضي.

ومن الصعب التكهن منذ الآن ماذا سيكون رد أولمرت، لأنه سيكون مرتبطا بعدة عوامل، أهمها طبيعة رد الفعل في داخل الائتلاف الحكومي القائم، ومن داخل حزب "كديما" الذي يتزعمه أولمرت نفسه، إذ يواجه هناك منافسة تطمح لاستبداله.

فحتى الآن يسيطر الائتلاف الحكومي على ثلثي مقاعد الكنيست الإسرائيلي، تقريبا، ويضم 78 نائبا من أصل120 نائبا، وهؤلاء من خمسة أحزاب، حزب "كديما" أكبر الأحزاب بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وحزب "العمل" بزعامة إيهود باراك، وحزب "شاس" الديني الأصولي، وحزب المتقاعدين، وهذه الأحزاب الأربعة كانت شريكة في الحكومة إبان الحرب على لبنان، ولكن المتغير الوحيد فيها، هو زعيم حزب العمل، الذي أصبح باراك بدلا من عمير بيرتس.

أما الحزب الخامس، فهو حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة العنصري أفيغدور ليبرمان، الذي انضم إلى الحكومة بعد شهرين من انتهاء الحرب، وفي أوج الانتقادات الموجهة لأولمرت، ولم يبد أية نية للانسحاب من الحكومة حتى بعد صدور التقرير المرحلي.

ولهذا، فإن الأنظار ستتجه بالأساس إلى رد فعل حزب "العمل" وزعيمه باراك، الذي تقلب في مواقفه كثيرا في هذا الملف في الأسابيع الأخيرة، وأصبح يتحدث بلهجة تشير إلى أن انسحابه من الحكومة ليس مضمونا بعد صدور التقرير النهائي.

وهذا يعود إلى أن باراك يعي ان وضعيته ووضعية حزبه في استطلاعات الرأي لا تشجعه على تقديم موعد الانتخابات البرلمانية، إذ تمنح استطلاعات الرأي دفعة قوية لحزب الليكود اليميني وزعيمه بنيامين نتنياهو، بمعنى ان ما سيحكم موقف باراك بالأساس هو مصلحته الحزبية الشخصية، وحسب المعطيات الحالية، فإن باراك لن يتشجع للإسراع بالخروج من الحكومة والسعي إلى حل البرلمان.

في هذه النقطة بالذات من الجدير لفت النظر إلى ما يكتبه المحلل السياسي البارز في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ألوف بن، بأن أحد أهداف زيارة جورج بوش إلى إسرائيل هذا الأسبوع هو تقديم الدعم "لصديقه" أولمرت.

وحسب بن، فإن بوش يريد إنهاء ولايته هذا العام بإحداث تقدم في الملف الإسرائيلي الفلسطيني، وهذا يحتاج إلى استقرار سياسي في إسرائيل، بمعنى ثبات حكومة أولمرت، وهذا أمر منوط حتى الآن بموقف باراك، لذلك فإن بن يرى أن مديح بوش لأولمرت في مقابلاته الصحافية في الأسبوع الماضي شكل أيضا رسالة إلى باراك.

والسيناريو الآخر هو أن استقالة أولمرت لن تقود بالضرورة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وإنما إلى تعيين شخصية بديلة له من حزب "كديما" الحاكم، مثل وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ولكن هذا يحتاج إلى توافق داخل "كديما"، خاصة وأن شخصيات الحزب الأساسية تدرك احتمال انهيار حزبها في أي انتخابات مبكرة.

وفي حال اتفقت شخصيات "كديما" في ما بينها، يبقى عليها إقناع باقي أطراف الائتلاف، وهنا قد تكون مشكلة مع حزب "شاس" الديني، الذي حصل يوم الأحد الأخير على مطلب أساسي له، وهو إعادة تشكيل وزارة الأديان التي تم حلها قبل أربع سنوات، وليتسلمها أحد وزراء هذا الحزب، الأمر الذي فسرته الحلبة السياسية على أنه "رشوى سياسية" لإبقاء "شاس" في الحكومة.

ولكن أمام هذين السيناريوهين، هناك مسار مختلف كليا، قد يمنع أزمة حكومية في إسرائيل، وهو أن يتضمن تقرير فينوغراد فصلا عما كان بعد صدور تقريرها المرحلي في نهاية آذار (مارس) الماضي، بمعنى ما إذا الحكومة ورئيسها استوعبا الانتقادات التي تضمنها ذلك التقرير وعملا على تصحيحها.

وهذه فرضية كتب عنها الكاتب السياسي المعروف في هآرتس، يوئيل ماركوس، قبل نحو ثلاثة أسابيع، وقال إن اللجنة قد تطلب من رئيس الحكومة والحكومة كلها تقريرا حول ما فعلته في الأشهر التسعة الماضية، "وسيتضح لها كيف ان أولمرت اتخذ قرارا بضرب شمال سورية في مطلع شهر أيلول(سبتمبر) الماضي، وكيف أنه لا يسارع في شن اجتياح بري في قطاع غزة"، كما جاء، بمعنى أن أولمرت "حسن كثيرا" من عمل جهاز اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، كذلك فإن الجيش استبدل قيادته ووزيره.

بمعنى آخر يريد ماركوس القول إنه بعد كل الانتقادات الحادة التي سيوجهها التقرير لأولمرت، سيكون بند يقول ما عناه إن هذه الأخطاء وقعت قبل عام ونصف العام، أما اليوم فقد تغير الحال وتحسن الوضع.

وهذا سيناريو غير مضمون، ولكن في حال حصوله، فإن ما سيحدث هو عاصفة مرحلية أخرى بعد صدور التقرير، ثم تهدأ من جديد، وحينها لا عجب إذا بقي أولمرت في منصبه حتى نهاية ولايته القانونية، في خريف2010.

من الضروري الإشارة إلى أن الكثير من العوامل ستؤثر بشأن اتخاذ قرار إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، تستصعب قطاعات واسعة رؤيتها حتى الآن، ومن بين هذه العوامل، قادة القطاع الخاص في الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعايش فترة ازدهار ونمو كبير، حتى أن تقرير البنك الدولي قال عنه إنه اقتصاد حصين في وجه الأزمات الاقتصادية الخارجية، كتلك الحاصلة في الولايات المتحدة.

ويدرك كبار أصحاب رأس المال في إسرائيل أن أحد شروط استمرار هذا الوضع هو الحفاظ على استقرار سياسي وحكومي، ولهذا فإن لهم دورا من وراء الكواليس ولهم تأثيرا أيضا في توجيه كبرى وسائل الإعلام بشكل مؤثر في بلورة الرأي العام في إسرائيل.

وأمام كل هذا المشهد الحاصل، نشير إلى أنه قبل أن تستقر الأمور الداخلية في إسرائيل فإنه لن يكون أي تقدم على صعيد المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، و"التقدم" الوحيد الذي سيكون هو استمرار المشاريع الاستيطانية، التي هي فوق كل الخلافات الإسرائيلية الداخلية.

صحافي وكاتب- الناصرة

[email protected]

التعليق