فلسطينيو 48 في مواجهة التهجين

تم نشره في الثلاثاء 1 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

يواجه فلسطينيو 48 في هذه المرحلة، حملة متصاعدة متجددة تشنها المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بكل تشعباتها، في محاولة جديدة لسلخهم عن هويتهم وانتمائهم الوطني الفلسطيني، وهي حملة لم تتوقف منذ بدايات إسرائيل، ولكنها في كل مرحلة تأخذ طابعا مختلفا.

ويقف على رأس المخطط الإسرائيلي في هذه المرحلة، محاولة لتقريب الجيل الفلسطيني الناشئ إلى المؤسسة الأمنية العسكرية، من خلال ما يسمى بـ"الخدمة المدنية التطوعية"، كبديل للخدمة العسكرية الإلزامية، التي لا تشمل شبان وشابات فلسطينيي 48، باستثناء شبان الطائفة الدرزية، الذين فرض عليهم القانون الجائر في العام 1956، ويلقى منذ بدايته حملة رفض متنامية.

وتحاول المؤسسة الإسرائيلية تغليف "الخدمة المدنية"، بإغراءات وامتيازات مالية وغيرها، وتزعم ان هذه الخدمة هي لخدمة البلدات العربية في مناطق 1948، وأن هؤلاء الشبان سيخدمون مجتمعهم.

ولكن من وراء هذه الصياغات تقف نوايا مختلفة تماما، نقرأها في توصيات لجنة خاصة أقيمت لهذا الغرض برئاسة واحد من ابرز جنرالات إسرائيل، دافيد عبري، الذي كان على مر سنين مديرا عاما لوزارة الحرب الإسرائيلية، وجاء في تلك التوصيات، أن على إسرائيل ان تفرض الخدمة العسكرية على الشبان العرب، وأن هذا يجب ان يكون تدريجيا، من خلال "خدمة وطنية"، جرى تغيير اسمها لاحقا لـ"خدمة مدنية"، لكي لا تكون "وطنية إسرائيلية"، كتمهيد للانخراط في الجيش لاحقا.

وهذا ما يجري على أرض الواقع، فعلى الرغم من تسميتها "خدمة مدنية"، إلا أن من يشرف عليها وزارة الحرب الإسرائيلية مباشرة، التي تعد بدفع الامتيازات والتسهيلات المالية، شبيهة بتلك التي يحصل عليها جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد إنهائهم الخدمة الإلزامية.

ومن المفارقات هنا، أن في عدم فرض الخدمة العسكرية على فلسطينيي 48، هناك "التقاء مصالح مشترك" فلسطيني إسرائيلي، إن صح التعبير من باب السخرية، ففلسطينيو 48 لا يمكنهم الانخراط في جيش يقتل أبناء شعبهم ويحتل أراضيه، جيش احتلال وتدمير، والمؤسسة الإسرائيلية ذاتها تتخوف من مشاركة واسعة من شبان فلسطينيي 48، رغم وجود بضع مئات من المرتزقة الذين يختارون سنويا الانخراط طوعا في هذا الجيش.

كذلك فإن القانون الإسرائيلي لا يعفي عينيا الفلسطينيين من الخدمة، بل هو ملزم للجميع، ولكن منذ العام 1949 يصدر أمر بشكل دوري وثابت من رئيس أركان جيش الاحتلال يعفي العرب من الخدمة، باستنثاء الشبان العرب الدروز، بموجب بند في القانون يجيز هذا، وهذا لا يمكن ان يتغير.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يتماشى هذا مع القول ان إسرائيل معنية بتقريب الشبان الفلسطينيين للمؤسسة العسكرية والأمنية؟، كلاهما صحيح، فالمؤسسة الرسمية تستعمل "الخدمة العسكرية" كغطاء وذريعة وهمية لسياسة التمييز العنصري، بمعنى أنها تقدم امتيازات مالية ومدنية عامة لأولئك الذين خدموا في الجيش، وهو ما يعني حرمان العرب من هذه الامتيازات.

وفي المقابل فإنها تريد لجمهور فلسطينيي 48 أن يبقى قريبا من المؤسسة الأمنية، أو أن تفرض عليه انتماء آخر، غير انتمائه الفلسطيني، انتماء إسرائيليا خالصا، وهو حلم إسرائيلي قائم منذ60 عاما، ولن يتحقق.

قد تسمع بعض الأصوات في إسرائيل التي تنادي بدمج العرب في الجيش الإسرائيلي، ولكن العقلية التي توجّه مؤسسة القرار في إسرائيل ترى ان انخراطا كهذا يشكل خطرا على مستقبل إسرائيل.

لقد تنادت القوى السياسية الوطنية الناشطة بين فلسطينيي48، وتحت مظلة لجنة المتابعة العليا لقضايا فلسطينيي48، وأقامت لجنة وحدوية لمناهضة مشروع "الخدمة المدنية"، الذي حتى الآن، لا يلقى رواجا، كما كانت تتوخى السلطات، في حين ان هناك نشاطات سياسية توعوية مكثفة لردع الجيل الناشئ من الوقوع في شرك السلطة الإسرائيلية.

فعلى الرغم من أنه سنويا هناك ما بين25 ألفا إلى 28 ألف فلسطيني يبلغون سن الثامنة عشرة، فقد دلت معطيات السلطات الإسرائيلية على أنه خلال العام المنتهي 2007 تجند لهذه الخدمة 550 شابا وشابة، ومن بينهم من بلغوا سن 18 عاما قبل عام أو عامين، "واحتفلت" السلطات بأن هذا العدد هو ضعف ما تم تجنيده في العام 2006، ولكن يتضح أيضا من تقارير صحافية، أن مجموعة من بين المجندين، هم أبناء عناصر جيش جنوب لبنان العميل، الذي انحل في العام 2000، ويقيمون في إسرائيل.

وهذه الإحصائية تأتي بعد حملة إعلامية واسعة في محاولة لإقناع الشبان الفلسطينيين للاندماج في هذه الخدمة، تخللتها استطلاعات لا تمت بالحقيقة، واستئجار بعض الأقلام التي تكتب بالعربية، وضميرها أبعد، ولكن كل هذا لم يؤت بما تتواخاه المؤسسة الإسرائيلية.

ولكن ليس هذا وحده، بل إن إسرائيل تحاول فرض "احتفالاتها" على فلسطينيي 48 في العام الجديد2008، بمناسبة 60 عاما على قيامها، وهذا على عدة مستويات، بداية حاولت الحكومة "إقناع" لجنة رؤساء المجالس البلدية والقروية بأن تشارك في هذه "الاحتفالات"، إلا أن الجواب جاء رفضا حازما من رئيس اللجنة المهندس شوقي خطيب، مبلغا الوزيرة المختصة، بأن في ذلك اليوم شعبنا يحيي الذكرى الستين لنكبته، ونحن مع شعبنا.

كذلك فإن وزارة التعليم تحاول فرض "احتفالاتها" على الطلاب الفلسطينيين، من خلال المدارس، ومن خلال برامج مدرسية تمجد تلك "المناسبة".

وهذه المحاولات لم تبدأ اليوم، بل بدأت مباشرة بعد العام 1948، من خلال محاولات كثيرة، بدأت حتى في محاولة لتغييب اللغة العربية، وفرض منهاج تدريسي تجهيلي، والقيام في سنوات الخمسين والستين، بما عرف "حملة تطير" جهاز التعليم من المعلمين الوطنيين التقدميين، وجرى طرد عدد كبير من المعلمين، ونجح عدد من المعلمين الوطنيين في الإفلات من عقوبة الطرد.

إن إسرائيل اليوم تسعى إلى جيل فلسطيني ناشئ منسلخ عن انتمائه الوطني، وعن هويته، وعن قضايا شعبه القومية العامة، واليومية الخاصة بقضايا فلسطينيي48.

حتى الآن بالإمكان الشعور بالرضى بأن هذا المشروع يفشل بالغالبية الساحقة، ويسقط بعض الهامش، الذين منهم من يصحو لاحقا، ولكن هذا لا يدعو للارتياح والجلوس جانبا مطمئنين، لأن هذه محاولات مستمرة ترافقها إغراءات اقتصادية، في الوقت الذي يعاني فيه فلسطينيو 48 من تردي أوضاع اجتماعية بفعل سياسة التمييز العنصري التي يواجهونها منذ 60 عاما.

صحافي وكاتب- الناصرة

[email protected]

التعليق