مستقبل مصفاة البترول في ظل استراتيجية الحكومة المعلنة لقطاع الطاقة

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

 

باقتراب موعد انتهاء العمل بعقد امتياز الشركة في آذار 2008، يصبح من الضرورة الماسة فتح هذا الملف للنقاش العلني، اذ ان الاستراتيجية المعلنة للحكومة لقطاع النفط و مشتقاته تضع الشركة امام خطر الاغلاق و التصفية النهائية مع ما يعنيه هذا لمستقبل ما يقارب الاربعة الاف عامل وموظف ومستقبل عشرات المؤسسات الصغيرة المعتمدة و بشكل اساسي على تقديم الخدمات للشركة عدا عن حقوق حوالي ثلاثين الف مالك لأسهم الشركة.

تتلخص الاستراتيجية المعلنة للحكومة للتعامل مع قطاع تكرير النفط وتوزيع مشتقاته في المبادئ الرئيسية التالية

اولا-  عدم تجديد عقد الامتياز او تمديده لفترة طويلة

ثانيا- إنشاء ست شركات جديدة منفصلة تتولى نشاطات الشركة الحالية على النحو التالي1- شركة لتكرير النفط و تبقى ملكيتها تابعة لشركة مصفاة البترول الحالية.

2- شركة خدمات لوجستية (نقل وتخزين المشتقات) تتبع ملكيتها بشكل اساسي للشركات المذكورة في بند 3 ادناه

3- اربع شركات توزيع للمشتقات النفطية تقوم بتزويد محطات التوزيع بشكل تنافسي من خلال استيراد المشتقات من الخارج او شرائها من شركة التكرير المذكورة في البند 1 اعلاه, ولشركة مصفاة البترول الحالية الحق في تملك واحدة فقط من هذه الشركات على ان يتم بيع الثلاثة المتبقية لمستثمرين من القطاع الخاص.

ثالثا- تقوم الحكومة بممارسة حق شراء أي جزء من او كل شركة مصفاة البترول الاردنية المعطى لها في المادة السادسة عشرة من عقد الامتياز لشراء الاجزاء المتعلقة بالنقل والتخزين والتوزيع بهدف تنفيذ الاستراتيجية.

رابعا- تقوم الحكومة بإنشاء الشركات المذكورة في البندين 2 و 3 اعلاه وطرحها للبيع.

خامسا- تقوم الحكومة بتحرير الاسعار تماما بعد فترة انتقالية قصيرة.

سادسا- اعتماد مواصفات متقدمة للمشتقات النفطية (تتجاوز القدرات الفنية للمصفاة الحالية).

تقوم هذه الاستراتيجية على فرضيات عدة تحولت الى قناعات اهمها في ما يخص شركة مصفاة البترول الحالية هو ان الشركة قادرة على استقطاب شريك استراتيجي لنشاط التكرير لتامين الاستثمار اللازم (بليون دولار كحد ادنى باسعار 2007) لتوسيع وتطوير المصفاة الحالية لتصبح قادرة على انتاج مشتقات بالمواصفات الجديدة و بكلفة منافسة لكلف استيراد المشتقات من السوق العالمية.

 مما يفترض ضمنا ان شركات التوزيع المزمع انشائها ستشتري كل انتاج المصفاة من المشتقات الناتجة عن تكرير النفط المستورد.

وقد بنيت هذه القناعة على نتائج دراسة الجدوى الاقتصادية لزيادة القدرة التكريرية والتحويلية للمصفاة والتي اجرتها الشركات الاستشارية في العام 2004 علما بان معدل العائد الداخلي للمشروع حسب هذه الدراسات لا يتجاوز 12% في التصور الاكثر تفاؤلا والقائم على:

1 -ان الاسعار العالمية الفعلية للمشتقات المستوردة والتي ستتعامل معها شركات التوزيع الجديدة لا تقل عن  اسعار باب المصفاة النظرية المفترضة من قبل المستشار (سعر عالمي معلن + كلف نقل دولي ومحلي) مما يعني تصريف كامل انتاج المصفاة  لشركات التوزيع قبل شروع الاخيرة باستيراد المشتقات من مصادر اخرى، وعند مناقشة مدى صحة هذه الفرضية قبل الانتقال الى غيرها، نجد  من غير المنطقي افتراض عدم قدرة شركات التوزيع الجديدة الحصول على مشتقات من الاسواق العالمية باسعار تقل عن الاسعار النظرية المعتمدة في دراسات الجدوى، اذ ان هذه الشركات تتمتع بمرونة عالية للمناورة في الاسواق العالمية و الاستفادة من تذبذب الاسعار في المدى القصير و هي مرونة تفتقدها المصفاة نتيجة:

أ‌- لاختلاف طبيعة سوق النفط عن سوق المشتقات من حيث حجم الصفقات المتعاقد عليها ومحدودية نوع النفط الملائم للتكرير في المصفاة (وبالتالي محدودية المصادر).

ب‌- طول الدورة الزمنية نسبيا اللازمة لتحويل النفط الى مشتقات جاهزة للبيع.

ت‌- ضرورة احتفاظ المصفاة بمخزون تشغيلي من النفط يغطي على الاقل المدة الزمنية اللازمة للتعاقد على الصفقات و نقل النفط الى موقع المصفاة.

ث‌- قدرة الشركات العالمية على تأمين مشتقات بأسعار هي بالنسبة للمصفاة اغراقية كون هذه الشركات متكاملة عاموديا بمعنى انها تمتلك وتسيطر على سلسلة متكاملة ابتداء من حقول النفط الى محطات توزيع المشتقات مرورا بالتكرير والنقل والتخزين.

ونظرا لصغر حجم السوق الاردنية بالمقارنة مع مقدرات هذه الشركات، تستطيع هذه الشركات اغراق السوق الاردنية من خلال استغلال التذبذبات الموسمية في اسواقها الاكبر. ولتوضيح الصورة نجد ان شركة مثل شل على سبيل المثال تمتلك حصصا مؤثرة في سبعة و اربعين مصفاة في العالم، كما تمتلك اكثر من اربعين ناقلة بحرية للنفط و مشتقاته عموما وحوالي اربعين الف محطة توزيع محروقات في انحاء العالم. و لما يرافق هذه المقدرات من قدرة تخزينية هائلة فإن مرونة ادارة المخزون المتوفرة لمثل هذه الشركة تخرجها من اطار التقيد بالاسعار العالمية السائدة في فترة ما على عكس شركة مصفاة البترول الاردنية.

ج‌- الية التسعير للمشتقات في السوق المحلية سواء للمرحلة الانتقالية او في مرحلة التحرير الكامل للاسعار و المقترحة في استراتيجية قطاع الطاقة لا تشتمل على آليات سيطرة على الاسعار الاغراقية او امتصاص هامش الربح الفائض المتحقق لهذه الشركات.

2- تعتمد الجدوى الاقتصادية لمشروع توسعة وتطوير المصفاة على فرضية توفر خط انابيب لتزويد المصفاة بالنفط  من العقبة (كلفته الرأسمالية المقدرة 260 مليون دولار 2007) بكلفة ضخ متدنية مقارنة بالنقل البري بالصهاريج المتبع حاليا. و تتجاهل هذه الفرضية ان أي مستثمر في انبوب النفط هذا سيشترط ان تضمن المصفاة تشغيل الخط لضخ كميات من النفط بحد ادنى تضمن له الحد الادنى من العائد او ان تتعهد المصفاة بدفع ما يعادل هذا العائد. في ظل المنافسة الشديدة (و التي قد تكون غير عادلة) التي ستواجهها المصفاة, و في غياب اية ضمانات لها لتصريف منتجاتها من المشتقات, سيكون من المستحيل عليها الالتزام امام الجهة المشغلة لانبوب النفط وبالتالي تسقط هذه الفرضية و ما بني عليها من جدوى.

3-تقوم جدوى مشروع توسعة وتطوير المصفاة على فرضية ثالثة حساسة  واقل ما يقال فيها انها صعبة التحقق وهي فرضية ان المصفاة ستكون قادرة على خفض كلف التشغيل من مستوياتها الحالية لدى المصفاة الى المستويات السائدة في الدول الصناعية أي و بحسب رأي المستشار من ما يقارب 64 مليون دولار الى 29 مليون دولار سنويا (اسعار 2004). وبغض النظر عن مدى دقة تقدير كلف التشغيل الفعلية الحالية الا انها ستبقى تتجاوز الكلفة العالمية و التي يمثل بلوغها شرطا اساسيا لتحقق الجدوى.

4-على مستوى اخر و بغض النظر عن مصداقية الفرضيات التي قامت عليها دراسة جدوى توسعة وتطوير المصفاة فإن مقارنة (القيمة الحالية الصافية) لخيار مشروع التوسعة و التطوير البالغ 327 مليون دولار و بكلفة استثمارية قدرها 703 ملايين دولار مع استثناء خط انبوب النفط  بنفس المؤشر(القيمة الحالية الصافية)  لخيار اغلاق المصفاة و البالغ    310 مليون دولار و كلفة استثمار قدرها فقط 38 مليون دولار أي ما يعادل 5% من احتياجات الاستثمار في الخيار الاول يدل بوضوح على ان اولوية رأس المال هي في خيار اغلاق المصفاة ( كافة الارقام باسعار 2004).

من الحقائق المعروفة في صناعة النفط عالميا ان هامش ربح عمليات التكرير متدن جدا وتواجه مخاطر عالية خاصة في حال كون المصفاة هي منتجة فقط للوقود أي دون انتاج زيوت التزييت او المدخلات اللازمة للصناعات البتروكيماوية و هو حال المصفاة في الاردن. و لتغطية هذه المخاطر توجهت الشركات العالمية وحتى الدول النفطية الى التوسع عاموديا باتجاه امتلاك منافذ لتسويق المشتقات لتأمين تشغيل مصافيها بالقدرة القصوى اولا وللاستفادة من الارباح العالية المتأتية من عملية التوزيع و التسويق ثانيا, في حين ان التوجه في الاردن و حسب الاستراتيجية المعلنة هو عكس ذلك تماما حيث تقوم هذه الاستراتيجية على فصل عمليات التكرير(متدنية العوائد) عن التسويق (مرتفعة العوائد).

5-اما بخصوص انشاء مصفاة بديلة (العقبة) فان الدراسة التي تقوم عليها استراتيجية الطاقة في الاردن قد بينت و بوضوح ان هذا الخيار هو اقل جدوى من خيار توسعة و تطوير المصفاة القائمة. علما بان خيار مصفاة العقبة كان قيد الدرس ومحاولة ترويجه منذ بداية الثمانينات و منذ عهد المجلس الوطني للتخطيط. وكانت هناك عدة محاولات لاحياء هذا الخيار آخرها  في العام 1996 حيث تم استدراج عروض من اكثر من ثلاثين شركة عالمية اعتذرت جميعها في نهاية المطاف عن السير في المشروع لسببين رئيسين الاول عدم قدرتها على منافسة المصافي العملاقة القائمة سواء على شواطئ البحر الاحمر و الخليج او القائمة على شواطئ البحر الابيض المتوسط في الجانب التصديري, وعدم القدرة هذه ناتجة عن عدة اسباب احداها كلفة نقل النفط و المشتقات من و الى العقبة بالمقارنة مع كلف النقل لمواقع المصافي الاخرى. اما السبب الثاني فهو عدم التزام الحكومة بشراء كافة احتياجات السوق المحلية من المشتقات من هذه المصفاة و هو عائق لا يزال قائما في وجه خيار انشاء مصفاة جديدة و خيار توسعة و تطوير المصفاة القائمة حسب معطيات الاستراتيجية المعلنة.

6-ان الانتقال من مواصفات المشتقات المماثلة للمواصفات المعتمدة حاليا في الاردن الى المواصفة  المقترحة في الاستراتيجية (المواصفة الاوروبية الرابعة), استغرق الدول الصناعية ما يقارب الثلاثة عقود من الزمن وبتدرج مدروس. و عليه فأن الرغبة في اعتماد هذه المواصفات المتقدمة في الاردن خلال بضعة سنين فقط هي رغبة اكثر من طموحة تترتب عليها كلف هائلة بالمقاييس المحلية. علما بان هذه المواصفة الجديدة و بحسب رأي المستشار الذي اعد الاستراتيجية تتجاوز كافة المواصفات المعمول بها في منطقة الشرق الاوسط, و ستحصر استيراد المشتقات من اوروبا لعدم توافرها في الاسواق المجاورة.

و اخيرا، هل يمكن تحقيق الاهداف المعلنة في قطاع النفط و مشتقاته (التنافسية، الكفائة، امن التزود بالطاقة) دون الحاجة الى اغلاق المصفاة و تحمل الكلفة الاقتصادية و الاجتماعية الهائلة المترتبة على ذلك؟ الاجابة هي بنعم و لكن بالقليل من التروي وبالخروج من حالة حمى التخاصية التي ادت بنا في بعض الحالات الى الهذيان.  

 مستشار وزارة الطاقة والثروة المعدنية 

التعليق