دولة يهودية أم "دولة الشعب اليهودي"!

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

ما زالت جدلية "من هو يهودي"؟ قائمة حتى اليوم في إسرائيل بل وفي المجتمع اليهودي أينما تواجد. تلك الجدلية الدائرة بين الدين والقومية. لم تحسم بعد ولن تحسم قريبا كما يبدو وهي احد أسباب تشوه الديمقراطية الإسرائيلية التي تعاني من نتوءات عدة أبرزها؛ أولا: مكانة الأقلية العربية والمواطنين العرب داخل إسرائيل. ثانيا: جدلية الدين والدولة وقضايا وقوانين الأحوال الشخصية. ثالثا: احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ورابعا: انعدام دستور للدولة وغيرها.

تحاول إسرائيل حتى الان التعويض عن انعدام الدستور فيها بما يسمى قوانين أساسية وهي احد عشر قانونا تعتبر أكثر أهمية وسطوة من القوانين العادية طبقا لقرارات محكمة العدل العليا. وينص قانون الأساس على تعريف إسرائيل بأنها "دولة يهودية وديمقراطية".

 جاء ذلك التعريف بعد نقاش جرى في الكنيست قبل أكثر من 22 عاما واختلفت حتى الأحزاب الإسرائيلية هل يكون التعريف" دولة يهودية"أو"دولة الشعب اليهودي" وكان القرار خلال التصويت على القانون عام 1985 البند السابع أ على "دولة يهودية "ذات الطابع الديني والقومي معا حسب تفسير أصحاب الاقتراح.

 لقد عملنا مرارا وتكرارا على كشف التناقض الصارخ بين القيمتين. فالديمقراطية تستند أساسا إلى المساواة كأحد شروطها بين مواطني الدولة بينما ترسيخ الاعتراف بهوية الدولة أي دولة، بشكل عرقي أو قومي أو ديني وهنا قصد اليهودية أو اليهود، يجعل اليهودي في هذه الدولة "أفضل" وأكثر حقوقا، طبقا للقانون، من غير اليهودي وتحديدا العربي حتى لو كان مواطنا في نفس الدولة. فكيف نقبل بذلك؟.

طرحت الحركة العربية للتغيير فكرا آخر يطالب بالاعتراف بالعرب في إسرائيل كأقلية قومية لها حقوق فردية وجماعية على حد سواء عبر تعريف إسرائيل "بدولة كل قومياتها" ووصفها بديمقراطية متعددة الثقافات مع انتهاج سياسة المشاركة المدنية الكاملة، إلا أن الاقتراح اسقط كما كان متوقعا مرارا وتكرارا.

إن هذا التعريف لإسرائيل يرسخ التمييز العنصري القائم في كل مجالات الحياة في هذه الدولة ضد كل ما هو عربي ويبقى زمام الأمور بمجموعة الأغلبية المبنية على القاسم القومي والعرقي وليس على قيم ديمقراطية تكون رابطا يجمع هذه الأغلبية. وهذا هو التفسير للطرح العنصري المستمر لما يسمى "البعد الديموغرافي" الذي تقوم من خلاله إسرائيل ومؤسساتها السياسية والأمنية والأكاديمية بعملية عد رقمي للعرب في إسرائيل.

أما المحاولة الأخيرة لحكومة إسرائيل عبر رئيس وزرائها ايهود اولمرت ووزيرة خارجيتها تسيبي ليفني اشتراط عقد مؤتمر انابوليس أو الاتفاق على حل دائم بقيام الوفد الفلسطيني بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، فهو طلب اقل ما يقال عنه انه خطير من جهة وسخيف من جهة أخرى. فالدول هي التي تقرر هويتها وتعريفها في مؤسساتها البرلمانية أو القانونية، ومع الأسف فعلت إسرائيل ذلك في الكنيست قبل سنوات عدة. والكنيست هي المكان لتغيير هذا التعريف أو التعامل معه إلى جانب الإعلام والرأي العام والمحاكم المحلية. ولا علاقة لأي طرف خارجي وتحديدا للمجتمع الدولي بذلك وأي محاولة لإدخال المجتمع الدولي ستؤدي بالموقف الفلسطيني إلى الضعف والخسارة لان هذا المجتمع الدولي منحاز تماما للموقف الإسرائيلي حول ذلك.

وهناك بعد آخر لهذا المطلب الإسرائيلي وهو المزاوادات الداخلية بين أقطاب الحكومة والأحزاب المختلفة. بين اولمرت من جهة وليفني من جهة أخرى. وكيف لا يتبنى ليبرمان أو أيهود باراك هذا المطلب بل إن الاثنين يذهبان أكثر من ذلك ويطالبان العرب والفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وصهيونية! إن بعض هؤلاء الساسة يحضرون لليوم الذي ستفشل فيه المفاوضات حيث سيسوق كل واحد منهم "بطولاته" أمام الفلسطينيين خاصة وان الأحزاب والساسة الإسرائيليين يتعاملون مع القضية الفلسطينية وكأنها قضية إسرائيلية داخلية. ولن يكون اليوم بعيدا حين نسمع مطلبا من احد السياسيين الإسرائيليين بضرورة تبني الفلسطينيين لنشيد" هتكفا "وهو النشيد الوطني الإسرائيلي أو على الأقل بان تقوم المدارس الفلسطينية بإدخاله لمنهاجها.! أو مثلا إلزام الفلسطيني بقبول المقولة الصهيونية المقرفة "شعب بلا ارض لأرض بلا شعب".

 كل شيء جائز في ميزان القوى المختل هذا وفي عالم أصيب بمعيار أخلاقي مزدوج يجعل من الضحية جلادا ومن قوى الاحتلال ضحية تحتاج إلى تطمين وحماية وخاصة إذا كان المفاوض الإسرائيلي ما زال متخوفا في داخله من لا أخلاقية طرد الفلسطينيين من بلدهم ونشوء مسألة النزوح والتشرد.

رئيس الحركة العربية للتغيير

التعليق