تراجع الانتماء لإسرائيل

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

أظهر استطلاع جديد بين اليهود الأميركان، جرى في الأسابيع الأخيرة، استمرار التراجع بمدى الاهتمام بوجود إسرائيل، أو حسب تعبير قادة الحركة الصهيونية، "مدى شعور يهود العالم بالانتماء لإسرائيل".

 ويدعم هذا الاستطلاع، استطلاعا أوسع، على شكل بحث ظهر قبل نحو ثلاثة أشهر، يؤكد تراجعا وبنسب أكبر في هذا المجال لدى الجيل الناشئ من أبناء الديانة اليهودية في الولايات المتحدة، كذلك فإن نتائج الاستطلاعين تتوافق مع بحث موسع ظهر في كتاب في مطلع العالم الجاري، 2007 في إسرائيل، يؤكد أن الغالبية الساحقة من اليهود في العالم باتت لا تشعر بأي انتماء لإسرائيل، وهي ترى أن موطنها الأصلي والطبيعي حيث تعيش الآن (خارج إسرائيل).

فقد قال الاستطلاع الحديث، الذي أجرته اللجنة اليهودية الأميركية إن 69% من اليهود الأميركيين وافقوا على عبارة: "الاهتمام بإسرائيل جزء مهم جدا من كوني يهوديا"، مقابل 74% في العام 2006، و79% في العام 2005.

أما الاستطلاع العلمي الذي ظهرت نتائجه قبل ثلاثة أشهر، فقد تمحور حول مشاعر الجيل الشاب من أبناء الديانة اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، حتى عمر 35 عاما، ومقارنة النتائج بنتائج نفس الأسئلة بين كبار السن.

وتبين من البحث أنه كلما قلّ عمر الشاب من هؤلاء تراجعت نسبة الشعور بالانتماء لإسرائيل و"رؤية أهميتها بالنسبة له"، إذ لم يعر 52% من المستطلَعين أهمية لإمكانية إبادة إسرائيل، فيما اعتبر 48% منهم أن إبادة إسرائيل هي كارثة شخصية بالنسبة لهم، بينما هذا الشعور بالكارثة يرتفع بين أبناء جيل 65 عاما وما فوق من الأميركان اليهود إلى 78%.

وقال 54% من الشبان أنفسهم إنهم يشعرون بارتياح لوجود إسرائيل، بينما هذه النسبة ترتفع إلى 81% بين أبناء جيل 65 عاما وما فوق، وقال 60% من المستطلعين الشباب إن الاهتمام بمصير إسرائيل هو "عنصر هام في كونك يهوديا"، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 80% بين المسنين.

ومن المفترض أن تثير هذه المعطيات قلق أصحاب المشروع الصهيوني، الأكبر، وهو جر أكثر ما يمكن من اليهود في العالم للهجرة إلى إسرائيل، وهو المشروع الذي تراجع بنسب عالية جدا في السنوات الأخيرة، نتيجة سلسلة من العوامل.

فقد ارتكزت الحركة الصهيونية في دعايتها لإغراء اليهود للهجرة إلى إسرائيل على ثلاثة عوامل أساسية، إلى جانب عوامل ثانوية متغيرة، الأول محاولة بث الشعور بالانتماء من منطلقات دينية، ثم الادعاء بأن مستوى المعيشة في إسرائيل هو أفضل من غيره، والركيزة الثالثة، هو بث أجواء الترهيب بين اليهود في دول العالم، وكأن "كل العالم ضدهم"، حتى شعوبهم في الدول المختلفة، وأن "إسرائيل هي البلد الآمن لليهود".

وأول "بساط" تم سحبه من تحت الدعاية الصهيونية في السنوات الأخيرة، هو المستوى المعيشي.

ففي العالم اليوم، وحسب معطيات الوكالة الصهيونية 13,2 مليون يهودي، من بينهم 5,4 مليون يعيشون في إسرائيل، في حين أن 7,8 مليون هم أبناء شعوب مختلفة، مع الإشارة إلى أن مجمل عدد اليهود في كل العالم يتناقص بفعل الاندماج، فمنذ العام 1970 وحتى العام 2007 ازداد عدد اليهود بنسبة 4,3% فقط.

وقد دلت معطيات الحركة الصهيونية في العام المنتهي، على أن 90% من أصل 7,8 مليون يهودي في العالم (خارج إسرائيل)، يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى بكثير من إسرائيل، خاصة إذا قلنا ان حوالي 5,25 مليون يهودي هم من أبناء الشعب الأميركي ويعيشون في الولايات المتحدة، وأكثر من 500 ألف يهودي في فرنسا، وحوالي 300 الف في بريطانيا، وحوالي 380 ألفا في كندا، وأكثر من 250 ألفا في دول أوروبية متطورة، وغيرها.

أما في ما يتعلق بسياسة الترهيب والتخويف من الغير، فهي أيضا لم تعد "تجني ثمارها"، كما كان الحال قبل سنوات طوال، رغم أن الصهيونية تقيم لهذا الغرض مؤسسات تحت تسميات مختلفة، ومن بينها منظمات لمناهضة ما يسمى "باللا سامية".

إلى ذلك، وعلى ضوء استمرار تدهور الأوضاع الأمنية، بفعل سياسة الحرب والاحتلال، التي تنتهجها جميع حكومات إسرائيل المتعاقبة، فقد تأكد لليهود في العالم أن إسرائيل ليست مصدر أمن وأمان للحياة العامة.

أما الجديد، فهو تراجع الشعور بالانتماء، الذي نقرأ عنه بكثرة في الولايات المتحدة، كونها اكبر تجمع، بعد إسرائيل، لأبناء الديانة اليهودية، وهذا مما لا شك فيه سيساهم في إعادة حسابات قادة الحركة الصهيونية، في محاولة لتغيير التوجه القائم منذ سنوات.

وبطبيعة الحال فإن الحركة الصهيونية لا تقف مكتوفة الأيدي، وهي تنشط بين مختلف أجيال اليهود، وتصرف عليهم ميزانيات ضخمة، من أجل جذبهم إلى إسرائيل، ولو لزيارة عابرة، أو للاقامة لعدة أشهر وحتى لسنة كاملة.

في المجمل العام نستطيع القول إنه من السابق لأوانه شطب شعور اليهود في العالم بالانتماء لإسرائيل كليا، فحتى الآن النسب المئوية تجتاز حاجز 60% وأكثر.

ولكن ما نستطيع استنتاجه بشكل واقعي، وهو استنتاج يستوعبه قادة الصهاينة منذ خمس سنوات، هو أن إسرائيل لن تعود تحلم بموجات الهجرة اليهودية التي شهدتها في سنوات التسعين من القرن الماضي، حين كان المعدل حوالي مئة ألف مهاجر في العالم الواحد، ومنذ النصف الثاني من العام 1990 وحتى العام 2000 نجحت الوكالة الصهيونية باستقدام أكثر من مليون مهاجر.

فهذا المعدل انهار دفعة واحدة ابتداء من العام 2001 إلى من 21 ألفا، أما في العالم الجاري فإن الحديث يجري عن حوالي 18 ألف مهاجر.

وليس هذا فحسب، بل إن المعطيات الأخيرة الصادرة عن وزارة الهجرة والاستيعاب، دلت على أن أكثر من 700 ألف من حاملي الجنسية الإسرائيلية يقيمون خارج إسرائيل، وقسمهم الأكبر في حالة شبه انقطاع، ولأنه لا يوجد في إسرائيل قانون ملزم بنزع الجنسية في حال التواجد خارج البلاد لسنوات، فإنه لا توجد معطيات دقيقة هول حجم الهجرة العكسية، بمعنى مغادرة إسرائيل كليا.

ويتضح من معطيات الوزارة ذاتها، التي ظهرت قبل أسبوع، أن 18 ألف شخص من حاملي الجنسية الإسرائيلية يغادرون إسرائيل سنويا، "وأن بضعة آلاف قليلة منهم يعودون"، كما جاء في بيان الوزارة، مما يتيح الاستنتاج بأن ما بين 12 ألفا إلى 14 ألف شخص يهاجرون إسرائيل سنويا.

بمعنى آخر فإن إسرائيل ستبدأ، أو بدأت في السنوات القليلة الماضية بالانتباه إلى انه في ما يسمى "بالتوازن الديمغرافي" والمحافظة على غالبية يهودية لا تقل عن 80%، عليها الاعتماد على التكاثر الطبيعي لليهود.

وهنا تجدر الإشارة إلى ان معدل الولادات لدى المرأة اليهودية في إسرائيل، هو في حدود 2,2 بينما لدى المرأة من فلسطينيي 48 هو في حدود 3,4 مولود، ولكن ما يرفع المعدل لدى النساء اليهوديات إلى 2,7 مولود، هو الولادة الزائدة عند المتدينين الأصوليين والمستوطنين، حيث يصل عدد المواليد التي تجنبها المرأة الواحدة من 8 إلى 14 مولودا وأكثر.

إن قادة الصهيونية يعتبرون أن العامل الديمغرافي هو عامل أساسي ومقرر لاستمرار وجود إسرائيل بشكلها الحالي لعشرات السنوات، وعلى هذا تدور معركتهم وحروبهم، وهذا هو أساس مخططاتهم الإحتلالية والعنصرية على مختلف اتجاهاتها، وتضعضع هذا "العامل" سيساهم بقدر كبير في تصعيد سياساتهم العدوانية.

bjarausu@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل (ايمن عثمان)

    الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    المشكلة الاساسية لا تكمن في اليهود العاديين، وشعورهم تجاه اسرائيل، وإنما كبار الأغنياء اليهود وانصارهم في الولايات المتحدة، الذين يدعمون اسرائيل ماليا وسياسيا، وهؤلاء يسيطرون على وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، والسؤال متى سنرى الاثرياء العرب في الولايات المتحدة وخارجها يشكلون اتحادا ضاغطا على الرأي العام الأمريكي ومتخذي القرار هناك.
  • »سؤالي للكاتب (يبوس مقدسي)

    الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    هل باعتقادك ان هذا التراجع قد يؤدي مستقبلا الى ما هو أكبر، هل بالامكان توقع اتساع الهجرة المعاكسة لليهود من اسرائيل، وما مدى حقيقة أن يقلب العامل الديمغرافي الموازين لصالح الفلسطينيين بعد العام 2025.
    على العموم بودي شكر الكاتب على هذه المقالة القيمة، التي تسلط الضوء على جوانب خرى للصراع وهي ذات اهمية كبيرة.