ما يحتاجه المجتمع المدني..الحرية وليس الرقابة الحكومية

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

ستكون من الحكمة أن يستفيد النواب المنتخبون حديثاً من خبرة المجتمع المدني التي تراكمت على مر السنوات العشر الماضية. فهذه الاستفادة ستمنحهم التوجيه المنشود أثناء مراجعة القوانين التي تريد الحكومة إصدارها. إلا أن أحد هذه القوانين مكرسٌ للقضاء على هذه الفرصة بإبعاد المجتمع المدني عن دائرة الحوار القائم حول السياسات في الأردن.

وسرعان ما سيتعين على النواب الجدد تدارس مشروع القانون الخاص بالجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية الذي وافقت عليه الحكومة السابقة في 9 أكتوبر/تشرين الأول. ويبقي مشروع القانون نفس الأحكام المتعسفة الموجودة في قانون الجمعيات الخيرية المطبق منذ 30 عاماً، والتي يمنح وزارة التنمية الاجتماعية سلطات موسعة تؤهلها للتدخل في تأسيس منظمات المجتمع المدني وإدارتها.

وسوف تتيح أحكام القانون الجديد للوزارة سلطة تولي إدارة منظمات المجتمع المدني، كما حدث العام الماضي لجمعية المركز الإسلامي والاتحاد العام للجمعيات الخيرية، أو أن تقوم بحلها، كما حدث في عام 2002 للجمعية الأردنية لحقوق المواطنين. كما سيحق للحكومة بمقتضى القانون أن تعترض على تعيين أعضاء هيئات إدارة منظمات المجتمع المدني وعلى أنظمتها الداخلية، حتى لو كانت لا تخالف أية قوانين.

إلا أن مشروع القانون سيوسع أيضاً من قدرة الحكومة على التعدي على استقلالية المجتمع المدني في الأردن؛ إذ سيربط منح التبرعات الأجنبية والوطنية بموافقة الحكومة، وبدلاً من التبرعات المباشرة، سيتم تأسيس صندوق تديره الحكومة لتمويل منظمات المجتمع المدني. كما أن الأفراد الساعين لتأسيس منظمات مدنية خيرية سيتعين عليهم الإسهام بمبلغ 100000 دينار أردني من تمويلهم الخاص، ويجب على منظمات المجتمع المدني الأجنبية الإسهام بمبلغ 250000 كحد أدنى في العام لتلقي الترخيص، ثم قد تتعسف الوزارة ولا تمنحه.

وفي أبريل/نيسان فرضت الحكومة شروطاً مشابهة على الشركات غير الربحية، والتي كان تأسيسها وإدارتها بمعزل عن التأثير الحكومي أسهل. وفي محاولة لتبرير هذه الرقابة الحكومية المفروضة، قال مراقب الشركات إن هذه الشركات غير الربحية "بعضها أصبح حصان طروادة لتسليط النقد والإساءة لمؤسسات وطنية ورسمية...بحجة تعزيز حقوق الإنسان". وبدلاً من إسكات منظمات المجتمع المدني باسم الوطنية التي في غير محلها؛ فعلى النواب تعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني على الجهر بالانتقاد والدخول في الحوار السياسي بناءً على التحليلات والخبرات التي تجمعها من خلال عملها في مختلف المجالات.

كما أساءت الحكومة استخدام قانون الاجتماعات العامة لعام 2004 في محاولة لتحويل ما يمكن أن يكون مجتمعاً مدنياً نشيطاً وقوياً إلى ذراع للحكومة. وبمقتضى هذا القانون الذي صدر بموجب مرسوم في عام 2001، فيجب على منظمي الاجتماعات العامة استخراج إذن مُسبق من المحافظ، بدلاً من مجرد إخطاره.

وهذا التغيير التشريعي أدى إلى تغيير في السياسات. فلم تعد الحكومة تحظر فقط غالبية المظاهرات التي تنتقد سياستها الخارجية أو خططها الاقتصادية الداخلية، بل أصبحت أيضاً تمنع منظمات المجتمع المدني من عقد ورش العمل والمؤتمرات والندوات. وبفعلها هذا فإن الحكومة أظهرت مجدداً أنها لا تُقدر استقلال هذه المنظمات أو الإسهامات الهامة التي تقدمها. وفي وقت سابق من هذا العام منعت الأحزاب السياسية من الاحتجاج على قانون الأحزاب السياسية، ومنع المحافظ منظمات المجتمع المدني من تنظيم ندوات بهدف تشكيل تحالف لمراقبة الانتخابات.

وقد أدرك النواب المنتخبون حديثاً بأنفسهم الحاجة لوجود ساحة لعب عادلة، مع توافر الفرصة لانتقادها والتدقيق فيها بالقدر الكافي. والمزاعم"الموثقة" بالتزوير في الانتخابات البلدية في يونيو/حزيران والوقائع المزعومة المشابهة الخاصة بالانتخابات البرلمانية هي أبرز الأمثلة وأوضحها على أن الأردن بحاجة لمجتمع مدني قوي ومستقل لدعم قيم حقوق الإنسان والديمقراطية ولتحويلها إلى واقع.

وعلى الأردن حشد الطاقة والخبرات التي يتمتع بها الشعب الأردني للتصدي لمشكلات حقوق الإنسان والآثار الاجتماعية الناجمة عنها. وحرية تكوين الجمعيات ذات الأهداف المشروعة وحرية التجمع دون أي تدخل لا داعي له من قبل السلطات الحكومية؛ هي أمور ضرورية لتحقيق هذه الأهداف.

ولتحقيق هذا الهدف، فعلى نواب البرلمان الأردني الخامس عشر رفض مشروع القانون الجديد الخاص بالجمعيات الخيرية، وتعديل قانون الاجتماعات العامة.كما وينبغي على النواب الجدد حماية حريات المجتمع المدني الأردني، وليس تقييد هذه الحريات.

باحث ألماني متخصص بالشؤون الأردنية في مؤسسة هيومن رايتس ووتش

التعليق