محمد أبو رمان

مستقبل العلاقة بين الإخوان والدولة (2-2)

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

 

في مقال سابق في "الغد" (الأول من أمس) قدّمتُ قراءة المؤسسة الرسمية لأزمة العلاقة بين الإخوان والدولة وأبعادها المختلفة. إذ ترى القراءة الرسمية أنّ ما حصل عليه الإخوان في مجلس النواب هو الأصوات الحقيقية لهم، وأنّ الدولة لم تتدخل ضد الجماعة في هذا المجال.

ولعل أبرز الملاحظات على الإخوان؛ ما تعتبره القراءة الرسمية اختراقاً من حماس للجماعة والتحول في بنية الجماعة وارتفاع سقف طموحها السياسي لتصبح حركة متضخمة تسعى إلى السيطرة على أكثر المؤسسات السياسية والمدنية الشعبية وإعادة تشكيل أسس اللعبة السياسية من جديد، وكذلك إلى توسُّع الجماعة ومبالغتها في بناء مؤسسات موازية للمؤسسات المدنية العامة وكأنّها "دولة داخل الدولة"، وفوق هذا وذاك فإنّ المؤسسة الرسمية لا ترهن استقرار البلاد وسلامتها بدور الخط المعتدل في الجماعة.

القراءة الرسمية السابقة، وإن لم تكن تحمل مضموناً جديداً بالكلية، هي بمثابة "رسالة" واضحة إلى الجماعة تفسّر الأزمة وأبعادها وتمنحنا حقّ الاطلاع. وقد كُنتُ حريصاً على تقديم: كيف "يلتقط" التيار المعتدل في الإخوان، الذي قاد الجماعة خلال السنتين الأخيرتين، الرسالة الرسمية وما تتضمّنه؟

ابتداءً؛ يرفض المعتدلون قصة أنّ القراءة الرسمية صُدمت بنتائجهم في الانتخابات النيابية، ويرى هؤلاء - على النقيض من ذلك- أنّ النتيجة كان قد أُعدّ ورُتّب لها رسمياً، وهي مرتبطة بسياق إقليمي سياسي عام. حتى وإن، جدلاً، كان هنالك صراع داخل الإخوان، فإنّ تأثيره محدود، والمسألة ليست بعدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو الإخوان - بصورة أساسية- بقدر ما هي مرتبطة بعدد "الأصوات الفلكية" التي حصل عليها منافسوهم، جراء نقل الأصوات وشرائها وعمليات أخرى تمت على عين الحكومة. ولو عملت الجماعة بكافة قواها وكفاءتها وجهودها، دون وجود مشكلات داخلية، فلن تستطيع مجاراة الأرقام "الفلكية" للآخرين أو الوصول إلى منافسة عادلة قانونية معهم.

يرى المعتدلون أنّ موضوع اختراق حماس للتنظيم "مسألة يُنفخ فيها كثيراً"، وهنالك مبالغات رسمية غير صحيحة. وحتى لو كان التيار المتشدد، جدلاً، متنفذاً في الجماعة فإنّ السبب الرئيس في ذلك يعود إلى السياسة الرسمية التي أدّى تدخلها وسلسلة الأزمات التي صُنعت مع القيادة الإخوانية إلى تقوية المتشددين ومنح خطابهم السياسي والفكري مشروعية.

ويحيل المعتدلون الإخوان إلى السنتين الأخيرتين، أي منذ حظي الوسط بالأكثرية في قيادة الجماعة والحزب، فقد تمكّن المعتدلون - خلال هذه الفترة- من ضبط الكثير من الأمور داخل الجماعة وتحجيم التيار المتشدد وتعزيز الاهتمام بالشأن الوطني الداخلي والتأكيد على هوية الجماعة ووجهتها السياسية والفكرية والتزامها التام بخطها المعروف داخل البلاد.

وعندما حدثت أزمة النواب الأربعة مع الحكومة (على خلفية زيارة بيت عزاء الزرقاوي)، كان المكتب التنفيذي للجماعة قد سارع إلى استدعاء النائب محمد أبو فارس لتقديمه إلى محاكمة داخلية قبل أن تسبق الحكومة إليه وتحوّله إلى المحكمة. وقدّمت قيادة الجماعة ورقة مبادئ واضحة تتضمن التزامها بالولاء للدولة والملك والنظام والتزامها الوسطية والاعتدال لأول مرة في تاريخ الجماعة، وذلك للتأكيد للرأي العام ولجماهير الجماعة على خط الجماعة ومنهجها ودورها لمواجهة حملة التشويه والتضليل الإعلامي.

تيار الوسط المعتدل العقلاني، ليس ضعيفاً، وأثبت فعاليته خلال السنوات الأخيرة، وتمكّن من وضع حدّ لكل المشكلات المطروحة، كما يرى المعتدلون. وفي الانتخابات الأخيرة، ولأول مرة في تاريخ الجماعة، استطاع الوسط أن يقدّم قائمة من المرشحين استبعدت منها الأسماء التي لا تمثل خط الجماعة وخطابها السياسي والفكري وكانت قائمة أقل من القوائم التي نزلت بها الجماعة إلى الانتخابات النيابية السابقة، وكل ذلك كان بهدف التأكيد على وجهة الجماعة وحدود طموحها السياسي.

أمّا وجود أسماء من مرشحي الإخوان خارج القائمة، فهذا صحيح، لكنه عدد محدود جداً، وتمّ لاعتبارات عشائرية واجتماعية قدّرت الجماعة طبيعتها فسمحت لهم بالمشاركة باسم المجتمع وليس الجماعة، فلم تكن القضية قصة قوائم سرية وعلنية.

المسألة ليست تلويحاً بعودة التيار المتشدد أو تهديداً للاستقرار، يرد المعتدلون على القراءة الرسمية، إنّما هي حديثٌ عن صيرورة منطقية متعلقة بالأسباب والنتائج؛ فالضغط المستمر والحصار الذي يتعرّض له الخطاب المعتدل العقلاني في الجماعة سيعزز من الخطاب الآخر المتشدد، وضرب البنية العلنية المؤسسية للجماعة سيدفع ببعض الأنصار والمتحمسين إلى العمل خارج السياق القانوني العلني، كما يحصل في التجارب العربية الأخرى. أمّا بالنسبة للجماعة فهي، مهما حصل، لن تحيد عن خطها المعتدل الإصلاحي المتدرّج.

يرى المعتدلون أنّ الطموح السياسي للجماعة في الأردن لم يتغيّر ولن يتغيّر، فالجماعة تدرك تماماً طبيعة الظروف السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وهي لذلك لا تغامر بمستقبل البلاد واستقرارها وأمنها ولا بتوريط "الإسلام السياسي" الأردني في معضلات وأزمات أكبر من الوطن وإسلامييه. والإخوان يقرأون جيداً الدروس المستفادة من التجربة السودانية (حسن الترابي سابقاً) وتجربة حماس في غزة، وهم حريصون على دورهم الحالي ويعتبرون أنه الأفضل والأنسب، ولن تتغيّر هذه القناعة استراتيجياً لأنها مرتبطة - في الاصل- بالطبيعة الجيوبولوتيكية للأردن.

يعيد التيار المعتدل التأكيد على تعريف جماعة الإخوان بأنّها "حركة إصلاحية وطنية تعمل في ميادين العمل التطوعي والاجتماعي والمدني والسياسي"، وهذه القناعة تمثّل أجندة الوسط ووجتهه ورؤيته لقيادة الحركة. أمّا العلاقة مع حماس؛ فالوسط حريص على الاستقلال التنظيمي التام، وعدم تصدير الأزمة الداخلية الفلسطينية إلى الأردن والتأثير على الأمن الاجتماعي والسياسي؛ لذلك كانت قيادة الجماعة دقيقة في بيانها، بعد أحداث غزة، على التأكيد على الوحدة الوطنية الفلسطينية وضرورة التفاهم، ورفض الانحياز إلى حماس وتأييد ما قامت به، على الرغم من ضغط مجموعة داخل الإخوان بهذا الاتجاه.

مع ذلك؛ فإنّ الإخوان يؤيدون المشروع السياسي لحركة حماس، كما يرى المعتدلون، لأنّ جوهره المقاومة والتحرر الوطني وعدم الرضوخ لشروط الاحتلال. فثمة فارق كبير بين الجانب السياسي والفكري وبين البعد التنظيمي.

فميا يتعلّق باستقالة الذنيبات من عضوية مجلس الأعيان؛ يرى المعتدلون أنّ ذنيبات هو أحد رموز هذا التيار، وقد تعرّض لهجوم إعلامي وسياسي شرس من قبل البعض، وقبوله بعضوية الأعيان سيؤثر سلباً على التيار المعتدل، فالمسألة مرتبطة بشخص ذنيبات ورمزيته ودوره لا بالموقف من مجلس الأعيان نفسه. فالتيار المعتدل يقدّر التكريم الكبير لذنيبات وللجماعة، لكنه يرى أنّ المصلحة تقتضي حماية ذنيبات وبقاءه في قيادة التيار المعتدل، لاستمرار هذا التيار على الرغم من الضربات التي تعرّض لها في الآونة الأخيرة.

ثمة فجوة واضحة بين القراءة الرسمية ورؤية خط الاعتدال الإخواني لمجريات الأزمة وتطورها ومسارها، لكنها ليست فجوة مستعصية على الردم، وهنالك محاور كثيرة يمكن الالتقاء عليها بلا شك، لكنها تتطلب حواراً حقيقياً وصريحاً هادئاً مستمراً عنوانه "المصلحة الوطنية العليا"، بعيداً عن منطق الخصومة وتغليب الهواجس على النوايا الطيبة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل جميل (هاني)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    اتفق مع الاخ ابو رمان في كثير مما ذهب اليه، وانا مقتنع ان تيار الاستئصال هو الغالب في منهج الحكومة وليس منهج الحوار والتعايش، مااحوج الاردن الان الى الرجال المخلصين الذين يغلبون مصلحة الوطن لااجنداتهم الخاصة وذلك للعمل على ردم الفجوة (كما ذكر الكاتب) وتقريب وجهات النظر لان في ذلك مصلحة للاردن في الحاضر والمستقبل.
    اتمنى تجنيب البلد اية نتائج سلبية للازمة القائمة بين اكبر تنظيم معتدل في الاردن وبين الحكومة او من هم يرسمون سياساتها
    تثبت الحركة الاسلامية كل يوم انها عاقلة ومتزنة وهدفها الاصلاحي هو هدف استرتيجي وليس تكتيكي لكسب بعض المكاسب الصغيرة.
    حمى الله الاردن من كل سوء،
  • »لو فهم البعض (خالد)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    لو فهم بعض الغافلين او المستغفلين من ابناء الحكومات الاردنية مقدار حب الاسلاميين لهذا البلد الذي اسأل اله ان يحفظه من كل سوء ويخلصه من كل العملاء والخونة .. وان الحركة الاسلامية تعمل دائما لصالح هذا البلد وإستقراره حتى الناظر الى المؤسسات الاخوانية كجمعية المركز الاسلامي التي لهفتها الحكومة يرى مقدار الخدمة العظيمة التي كانت تقدمها لهذا الوطن الغالي في الجانب الاجتماعي والانساني لكن هذا لم يعجب بعض الحقوديين فعمدوا الى هدمها وتخريبها ..
    والنقابات المهنية وماتقدمه من خدمات وفوائد لمنتسبيها وغير منتسبيهافالمؤسسات الاخوانية لاغش ولاسرقات فيها وهذا لا يعجب الحاقدين ..
    مع اني اختلف مع الكاتب العزيز في تصنيف الاخوانيين الى معتدلين وصقور وحمائم فقرارات الحركة دائما مركزية فعندما قررت الحركة المشاركة في الانتخابات فما كان من الجميع الا اطاعة هذا القرار وحتى المعارضين كانوا في اول الصف يدعمون اخوانهم الذين نزلوا الى الانتخابات ..
    اسأل الله العظيم ان يهدي هذه الامة ويحفظها من كل سوء ..
  • »متى سنتحرر من مفهوم :الاخونجية" (مسلم)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    متى سيتحرر الشارع العربي و بالاخص الشارع الاردني من مفهوم الاخونجية؟ لسنا ضد الاخوان المسلمين كحزب معارض او كمؤسسة او اي من تلك المسميات ولكننا ضد ما تقوم به حركة الاخوان المسلمين التي تتخذ من الاسلام ذريعة تعلق عليه كل كلامها المعسول و الذي لا يدل على المسؤولية فهم ابعد ما يكون عن مسمى المسؤولية تجاه القضايا العربية و الاسلامية و عبارة عن جماعة تنتظر السلم الوزاري على احر من الجمر
    الاخوان المسلمين في الاردن فقدوا مصداقيتهم كثيرا و جلهم لا يملك مفهوم الحوار او النقاش
  • »افضل الموجود (سمير)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    انا عربي اشتراكي غير مسلم . وأقول ان الإسلامييون هم جبهة الخلاص الوحيدة ضد الصهيونية والإستعمار والفساد والإنحطاط الحضاري اللذي تحميه وتدعمه امريكا والصهيونية. بكل بساطة, هم اقضل الموجود.
  • »العقل .. والحكمه (فادي هاني)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    الحكومه مطلوب منها ان ترى الاخوان بعينين لا واحدة.. نظرة لتاريخ الاخوان الماضي ومدى تناسقه وتناغمه مع مفاصل وتحيات المت بالاردن (الامتله كتيرة).. ونظرة لعلاقه بعض الدول التي حاولت سحقهم باقسى الصور!!.. المفيد ان الجماعه عصيه على الاندثار والتلاشي.. وان بها (خاصه بالاردن) الخير الكثير.. وانها تجربه يشار لهل بالبنان.. واها.. وانها.. المطلوب من الحكومه الحكمه والا تسمع او تقتنع بكل ما يصلها من البعض من المحسوبين عليها.. ولتعلم بان الكثير من المشاكل قد تقع من اقرب الناس اليك (بطانة السوء) حفظ الله الاردن من هذه البطانه