محمد أبو رمان

نموذج "قاعدي جديد"

تم نشره في الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

يقدّم اللقاء الذي أجرته فضائية العربية(برنامج صناعة الموت) مع أحد أفراد القاعدة في العراق، شحادة جوهر، نموذجاً جديداً مختلفاً عن الصورة النمطية المعروفة عن أفراد القاعدة في العديد من البلاد العربية.

تبدو المفارقة أن الصورة النمطية لأفراد تنظيم القاعدة أنّهم على درجة من التشدد الديني، متشربين بصورة كبيرة لأيديولوجيا القاعدة دينياً وسياسياً. أمّأ جوهر فقد ظهر بلباس ضيّق،لا يرتدي مثله أتباع هذا المنهج. ولم تبد على جوهر علامات وآثار الالتزام الديني على النقيض من أبناء "السلفية الجهادية"، وأجرى اللقاء مع المذيعة دون أن ترتدي "منديل الرأس"، وكان واضحاً من حديثه أنه يفتقر للمعرفة الدينية التي يتسلّح بها أبناء القاعدة، ما أثار الشك والريبة لدى المراقبين والمشاهدين، لولا أنّ المعلومات التي قدّمها هي على درجة من الدقة والاطلاع القريب الواثق.

في الحقيقة؛ بقدر ما يمثل نموذج جوهر حالة غريبة ومدهشة بالنسبة للمشاهد العربي بقدر ما يعكس هذا النموذج، من ناحية أخرى، الظروف الجديدة التي فرضت نفسها حتى على تنظيم القاعدة وعلى بنيته الفكرية والبشرية. فنموذج جوهر قريب من حيث الشروط من نموذج زياد الكربولي، العراقي، الذي ألقت المخابرات الأردنية القبض عليه، وبدا للمتابعين والمراقبين غريباً عن "النموذج القاعدي المألوف".

فكلٌ من جوهر والكربولي أقرب إلى حالةٍ "هجين" تشكلت من خلال تزاوج ظروف موضوعية وسياسية معينة مع "الرسالة السياسية" للقاعدة، دون أن تمتلك تلك الحالات بالضرورة المواصفات والشروط البنيوية التقليدية المطلوبة لأفراد التنظيم.

فالكربولي هو ابن الطائفة السنية ومن إحدى العشائر العراقية، وجد نفسه في بدايات الاحتلال أمام واقع سياسي جديد يتشكل من توافق الاحتلال الخارجي مع القوى الشيعية ضده، فأصبح يفتقد الشعور بالأمن، في الوقت الذي تتعرض فيه مصالحه للخطر بصورة فادحة، في سياق حالة من الفوضى الأمنية والسياسية. في المقابل وجد الكربولي في خطاب القاعدة المعادي للأميركيين والشيعة على السواء، تعبيراً يناسب مشاعره ويعكس هواجسه، يوفر له مجالاً في الدفاع عن النفس، فانضم إلى القاعدة.

وإذا كانت الظروف السياسية قد دفعت الكربولي للانضمام إلى القاعدة، فإنّ هذه الظروف – أيضاً- أجبرت القاعدة على التساهل كثيراً في شروط أعضائها ومنتسبيها. إذ إنّ ضمان وجود حاضنة اجتماعية وقاعدة عريضة من الأتباع والأفراد خلال فترة قصيرة يحتم على القاعدة التفكير في "العدد" لا "المواصفات"، وهو ما يوفّر بدوره فرصة للآخرين لاختراق التنظيم، وصولاً إلى توظيف نشاطه وعملياته خدمة لمصالح تلك الأطراف.

تحول القاعدة، أيضاً، إلى قوة نافذة في بعض مناطق السنة أغرى الشباب السني بالانضمام إليها طلباً للقوة والحماية، ولمواجهة القبائل الأخرى وفقاً لشهادة جوهر.

وبالعودة إلى نموذج جوهر؛ فإنّ الظروف هي اللاعب الرئيس في صناعته، إذ تتبدى ثلاثة مداخل رئيسة في تفسير هذا النموذج؛ الفوضى وغياب الشعور بالأمن، وحالة الإحباط والعدمية المستشرية.

فهذا الشاب هو ابن المخيمات الفلسطينية في لبنان،حيث الفوضى الداخلية وغياب السلطة والقانون، والتعايش مع يوميات القهر الاجتماعي والسياسي، وعدم توافر الشعور بالأمن سواء في المحيط الداخلي (الفلسطيني)أو مع المحيط الخارجي(اللبناني) أو حتى المحيط السياسي الإقليمي والدولي الذي لا يمنح الفلسطينيين في المخيمات الحد الأدنى من الشعور بالأمن والحماية واحترام الحقوق الإنسانية.يتوازى مع ذلك انتشار روح الإحباط والعدمية وتلاشي الأفق.

الغضب العارم كان عنوان حديث جوهر الرئيس؛ فهو غاضب مما آل إليه حال الفلسطينيين في المخيمات، وغاضب أيضاً من تعامل اللبنانيين مع الفلسطينيين، وغاضب ثالثاً من السوريين وما فعلوه في المخيمات الفلسطينية، وغاضب ومحبط من العالم بأسره الذي يشعر أنه خانه أو متواطئ ضده.

في حالة كهذه لا خطاب غير "خطاب القاعدة" قادر على أن يستجيب لكل هذه الروح السلبية مما يجري والخوف والقلق الشديد من الآتي. خطاب القاعدة يجسّد أزمة جوهر في عدو تجب مقارعته، سواء ضمن الدائرة الأولى (الولايات المتحدة الأميركية على اعتبار أنّها سبب البلاء) أو الدائرة الثانية (النظم العربية الصديقة لها) أو ربما الدائرة الثالثة(المجتمع المحيط الذي لا ينسجم مع أيديولوجيا القاعدة).

ما يمكن التقاطه في الفترة الأخيرة أنّ نموذج جوهر أصبح هو الآخر حاضراً بصورة واضحة داخل المخيمات الفلسطينية، نتيجة العوامل السابقة من ناحية، ونتيجة الصراع الدموي الشديد بين كل من فتح وحماس، وهو الصراع الذي يجذّر مشاعر السخط والإحباط وخيبة الأمل، ويُغلق الآفاق الممكنة للخروج من الراهن، ويدفع بصورة أكبر الشباب الفلسطيني في المخيمات(تحت الحصار) نحو أفكار القاعدة وخطابها.

ليس بالضرورة أن يعتنق ويلتزم هذا الشباب بصورة كاملة بالنمطية الدينية للقاعدة، بقدر ما يستقبل رسالتها السياسية ويؤمن بها، دون الحاجة في كثير من الأوقات إلى الاتصال المباشر بقادة التنظيم، ما دامت شبكة الانترنت تُقدّم خطاب القاعدة وأدبياتها وتوفر أدوات التعبئة والتجنيد السياسي والحركي.

في ظل هذه الظروف ليس غريباً أن نرى نموذجاً قاعدياً هجيناً كجوهر، في العديد من المخيمات الفلسطينية، وأن تظهر فتح الإسلام وجند الشام وجيش الإسلام وعصبة الأنصار وأن يكثر أنصار القاعدة والسلفية الجهادية بين الشباب الفلسطيني الغاضب والمُحبط.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هجين! (محمد البطاينة)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    ماذا تسمي اشباه الرجال ممن يتسكعون في المراكز التجاريه وعلى الشواطيء؟! ... وسلامتكم
  • »القاعدة كعلامة تجارية لجماعات صغيرة (فادي العوامره)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    وجهة نظري:
    كل التحليلات التي تتناول تنظيم القاعدة منقوصة، والسبب هو غياب وجهة نظر الطرف الآخر وهو قيادات التنظيم الأساسية.
    بحيث أنه يجب علينا أن نتمحص ادعاء أي شخص عندما يقول أنه ينتمي للقاعدة.
    القاعدة الآن حسب ما تظهرها وسائل الإعلام أصبحت تختلف عن القاعدة قبل ست سنوات وأكثر.
    في هذه الأيام أي شخص يخرج على القانون لا اسهل من أن يدعي من أنه ينتمي للقاعدة، بحيث أصبحت الصورة التي تتبادر لذهن الناس أن أفراد اقاعدة "زعران" ومتشددين وأيديهم على الحزام الناسف لتفجيره في أي لحظة وفي أي مكان .
    مع أن أدبيات القاعدة التي تكلم بها كثيرا بن لادن منذ بداية الحرب بين جماعته وأمريكا، تختلف ، حيث حدد الهدف وهو محاربة أمريكا، ومصالحها، وحدد الغاية التي من اجلها يقاتل، وهي الظلم والعدوان الذي تماسه أمريكا على المسلمين في شتى أصقاع الأرض. ومعظم العمليات التي تبنتها جماعته في أفغانستان وفي غيرها تشير إلى دقة كلامه.

    أما ما يحدث في العراق وفي المغرب وفي الدول الإسلامية بشكل عام، فتقوم بها جماعات لا ندري أهي تنتمي فعلا للقاعدة أم هي جماعات أفرادها كهذا الذي ذكره الكاتب في مقاله.

    الخلاصة:
    القاعدة الآن بدأت تتفرع وأصبح ينتمي إليها جماعات تأخذ اسم القاعدة و تخرج على خطاب مؤسسها في بعض الأحيان، وهذا ما أكده زعماء التنظيم من خلال رسائلهم.
  • »أسئلة حائرة و واقع محير (د محمد الذنيبات)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    ماذا عن الوضع في الأردن هل تشكلت هذه الظاهرة أم لا هل تسمح الشروط الموضوعية بتشكلها هل المعادلة الأمنية وحدها قادرة على منعها هل نحن معنيون بمحاربتها من سيخدم ظهور الجهاديين الجدد هل ستستخدم ذريعة للمزيد من القمع هل هي الملاذ الحقيقي وربما الفاعل في وجه الطغيان العالمي الجديد هل هي سهلة الاستخدام سهلة الاتلاف أم يصعب التخلص منها وإذا تحسنتت الظروف الموضوعية هل ستغيب الظاهرة و تأخذ معها الأمل من البعض و الخوف من الآخر هل سيمضي كثير من الوقت قبل أن نعرف