ميديلين تنتقل إلى أفريقيا

تم نشره في الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

في الآونة الأخيرة أصبحت التقارير الإخبارية تتحدث على نحو متكرر عن دولة غير مألوفة في الأنباء العالمية، إلا أن كل هذه التقارير تدور حول تهريب المخدرات. هذه الدولة هي غينيا بسياو. إنها دولة تقع في غرب أفريقيا ويبلغ تعداد سكانها 1.5 مليون نسمة، وهي واحدة من أشد الدول فقراً في العالم. ولكن ما هي صادراتها الرئيسية؟ الكاجو، والقريدس، والكوكايين. الكوكايين في دولة لا تزرع شجيرات الكوكا؟ أجل، هذا صحيح.

في هذا العام وحده ضبطت السلطات في غرب أفريقيا أكثر من أربعة أطنان من الكوكايين، بزيادة قدرها 35% عن الكميات التي ضبطت خلال العام 2006 بالكامل. كما ضبطت السلطات أيضاً كميات أخرى من المخدرات في المياه الدولية أمام خليج غينيا.

إن الموقع الذي تتميز به هذه الدولة الصغيرة كان السبب في تحولها إلى محور رئيسي لتجارة المخدرات في العالم. وتعتبر غرب أفريقيا موقعاً مثالياً على الطريق الممتدة من أميركا الجنوبية إلى الأسواق التي تستهلك الكوكايين في أوروبا. ويلجأ مهربو المخدرات إلى إخفاء شحنات ضخمة منها على قوارب الصيد وسفن الشحن، ثم يتم تقسيم هذه الشحنات الضخمة إلى شحنات أصغر حجماً ترسل بواسطة القوارب السريعة على طول الساحل إلى المغرب أو أسبانيا.

فضلاً عن ذلك فإن دول أفريقيا الضعيفة تبدي أقل قدر من المقاومة لتحويلها إلى بديل لطرق تهريب الكوكايين التقليدية عبر أميركا الوسطى ودول الكاريبي، والتي أصبحت مغلقة الآن. والحقيقة أن العديد من بلدان المنطقة عاجزة عن السيطرة على أراضيها، هذا فضلاً عن الفساد المستشري فيها.

ولكي تدرك مدى البؤس الذي تعيشه دولة مثل غينيا بيساو، فلتتخيل نفسك ضابط شرطة هناك تلقيت بلاغاً عن شحنة مخدرات قادمة بالطائرة. أولاً يتعين عليك أن تجد سيارة تنقلك إلى مكان هبوط الطائرة، وأن تستصدر إذناً رسميا وتحصل على النقود اللازمة لتعبئة خزان وقود السيارة. ولن تجد سبيلاً لطلب المساندة غير استخدام جهاز راديو للإرسال والاستقبال، كما لن تجد طاقة كهربائية لشحن هاتفك الجوال. وإذا ما افترضنا أنك نجحت في الوصول إلى منطقة التسليم في الوقت المناسب، فإن التحدي التالي يتلخص في إقامة حاجز مؤقت على الطريق لمنع الشاحنة من الهروب بشحنتها من الكوكايين.

العجيب في الأمر أن سائق الشاحنة يرتدي زياً عسكرياً، ولن يبدي قدراً كبيراً من الانزعاج حين تضبطه مع شحنته. بعد ذلك ستقتاده إلى قسم الشرطة في المقعد الخلفي لسيارتك ـ من دون أصفاد، وذلك لأنك لا تملك أية أصفاد. وحين تصل به إلى قسم الشرطة ستجد هناك مسؤولاً حكومياً كبيراً يتدخل لمحاولة إطلاق سراح الشخص الذي ضبطته. وهنا سنفترض أيضاً أن مأمور قسم الشرطة رفض تدخل ذلك المسؤول، وبدافع من نزاهته وكراهيته للفساد نام بجانب شحنة المخدرات لمنع هذا الدليل الذي يبلغ ثمنه عدة ملايين من الدولارات من الاختفاء. ولكن في وقت لاحق من الأسبوع، سوف يتم إطلاق سراح المشتبه به تحت رعاية الجيش، وسوف يفصل مأمور الشرطة.

هذه قصة حقيقية، وليست بالحالة المنعزلة.

فضلاً عن ذلك فإن غينيا بيساو ليست الدولة الوحيدة في المنطقة التي تدور على أراضيها مثل هذه الجرائم المنظمة الخطيرة. فقد بات من المعتاد أن ترى قوافل من مركبات الجر الرباعي تسافر تحت حراسة مشددة وعلى سرعات عالية عبر منطقة الساحل في غرب أفريقيا، جالبة الحشيش من المغرب عبر موريتانيا ومالي والنيجر إلى تشاد وما وراءها.

وهذا المسار الذي يسلكه مهربو المخدرات، والذي يعادل في طوله طريق رالي داكار لسباق السيارات، يمتد على طول أربعة آلاف كيلومتر من التضاريس الوعرة، عبر مناطق تسيطر عليها مجموعات من المتمردين والإرهابيين المرتبطين بتنظيم القاعدة في "المغرب الإسلامية". وتتربح هذه القوات على الأرجح من تجارة المخدرات. وهي على أقل تقدير تسمح لمهربي المخدرات بالحصول على الوقود، وقطع الغيار، وتوفر لهم محال الإقامة والمرشدين.

ما السبيل إذاً إلى منع هذه الفوضى؟ لابد أن تشكل العدالة الجنائية عنصراً رئيسياً في توفير الأمن وتحقيق التنمية. بتبني هذا التوجه نجحت كيب فيردي في الانتقال من قاع مؤشرات التنمية إلى مراتب الدول المحترمة ذات الدخول المتوسطة في غضون عقد واحد من الزمان.

لابد أيضاً من فرض إجراءات صارمة لمحاربة الفساد، كما هي الحال في نيجيريا، حيث نجحت الثورة المضادة للفساد هناك في اكتساح قائمة طويلة من المسؤولين الرسميين الجشعين الذين كانوا يحتلون مناصب عليا.

إن مكافحة الجريمة المنظمة تتطلب تمكين الدولة من إعادة بسط نفوذها على أراضيها. ولقد نجحت خطط تحسين عمل قوات الأمن في مرافئ غانا والسنغال في توجيه ضربة موجعة إلى التجارة غير المشروعة التي تمر عبر أراضي هاتين الدولتين.

من المؤكد أن نجاح عدد بسيط من عمليات الضبط لشحنات ضخمة من المخدرات بالاستعانة بمجموعة محترفة من عملاء مكافحة المخدرات لابد وأن يجعل مهربي المخدرات يغيرون نظرتهم إلى غرب أفريقيا باعتبارها منطقة تنعدم فيها المخاطرة تقريباً وتشكل طريقاً مناسباً لمرور المخدرات. وهذا من شأنه أيضاً أن يحرم شركاءهم المحليين المرتشين من الحافز إلى استغلال مناصبهم العامة بهدف التربح الخاص.

إن الدول التي تعيش ظروفاً كتلك التي تعيشها غينيا بيساو تحتاج إلى المساعدة والعون، وبسرعة. ورغم ضآلة حجم الاستثمارات المطلوبة لتحقيق هذه الغاية، إلا أن التقاعس عن العمل الآن سوف يجعلنا نتكبد ثمناً باهظاً.

أنطونيو ماريا كوستا المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة الخاص بمكافحة المخدرات والجريمة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق