نوايا أولمرت

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

مرّة أخرى نقف أمام نفس السيناريو الإسرائيلي، الذي تكرر خمس مرات من قبل، في عهد خمسة رؤساء حكومات سابقين، واليوم نشهد "دورته" السادسة، في عهد رئيس الحكومة، إيهود أولمرت: "رئيس حكومة مسكين لديه كل النوايا، ولكن ما العمل فلديه معارضة قد تطيح به".

مرّة أخرى يصبح الشغل الشاغل لدول القرار، "كيفية الحفاظ على الحكومة الإسرائيلية القائمة، لئلا يتم استبدالها بحكومة أكثر تطرفا"، لا بل هناك من يطالب الفلسطينيين بالمشاركة في "مهمة الإنقاذ".

والسؤال الذي يطرح نفسه، كما طُرح من قبل: هل يقف أولمرت خارج الإجماع الصهيوني القائم، وهل فرّط ببند واحد من هذا الإجماع، حتى يظهر وكأنه يريد دفع العملية السياسية، وهل بالإمكان بناء المواقف اعتمادا عن تصريحات شفهية، دون فحص ما يجري بموازاتها على أرض الواقع، وفي الحلبة الأساسية لموضوع هذه التصريحات، بمعنى المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967.

قبل الرد على هذه الأسئلة، صحيح أن هناك حاجة لعدم سد كافة الأبواب، والبحث دائما عن أبواب مفتوحة من أجل اختراق الواقع المأساوي الذي يعايشه الشعب الفلسطيني والمنطقة، وصحيح أن النظرة السوداوية تولد الإحباط، ولكن في المقابل فإن المبالغة في بث أجواء التفاؤل، وبث أوهام لا أساس لها حول احتمال حدوث اختراق وانفراج سياسي، تولد هي أيضا الإحباط، بعد ان تظهر حقيقة هذا "التفاؤل".

ولهذا فإن المطلوب دائما هو قراءة الواقع بتفاصيله وبشكل موضوعي، من أجل معرفة التعاطي معه ومواجهته، والعمل على تغييره، ومعرفة نقاط ضعف الخصم والعدو، وليس الجلوس جانبا في انتظار فرج قد يأتي.

ونعود إلى السؤال المركزي: ما هي حقيقة نوايا أولمرت؟

لم يصل أولمرت إلى الحلبة السياسية فجأة، بل انخرط فيها منذ سنوات شبابه الأولى، في حزب "حيروت" اليميني المتشدد، بزعامة مناحيم بيغين، الذي تحول لاحقا إلى حزب "الليكود"، وهو عضو في الكنيست منذ سنوات السبعين، دون انقطاع، إلا لخمس سنوات كان فيها رئيس بلدية الاحتلال في القدس المحتلة.

وطيلة هذه الفترة لم يتخل أولمرت عن مواقفه اليمينية المتشددة، وحتى "تخليه" في السنوات الأخيرة، عما يسمى بـ"أرض إسرائيل الكاملة"، (فلسطين التاريخية)، لم يكن يعني إطلاقا، العودة إلى حدود الرابع من حزيران(يونيو) 1967، وحتى عندما أيد إخلاء مستوطنات قطاع غزة، فقد كان يعرف حقيقة خفايا هذا المخطط، وهو تحويل قطاع غزة إلى سجن كبير، وهذا هو واقع الحال في قطاع غزة.

وحين خاض أولمرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة قبل 20 شهراً، التي حملته إلى رئاسة الحكومة، كان في جعبته مشروع ما يسمى "خطة التجميع"، وهي تسمية أخرى لمخطط شبيه بما جرى في قطاع غزة، وحتى أكثر، إذ ان تطبيق تلك الخطة يعني تحويل الضفة الغربية إلى مجموعة كانتونات منفصلة عن بعضها، وهذا هو مشروع أريئيل شارون، الذي تحدث عنه لأول مرة في النصف الثاني من سنوات التسعين.

وبعد 40 يوما من بدء ولاية حكومته، شن أولمرت وحكومته حربا على قطاع غزة، وبعد ثلاثة أسابيع من تلك الحرب شن حربا دموية على لبنان، وبعدها أعلن تخليه عن "خطة التجميع" بزعم أنها ايجابية للفلسطينيين، ولكن "لا يوجد شريك فلسطيني ملائم"، إلا أنه عمليا فإن خطة التجميع يجري تطبيقها على قدم وساق في الضفة الغربية، من خلال الاستمرار ببناء جدار الفصل العنصري، الذي يفرض حدودا من جانب واحد مع الضفة الغربية.

وبعد تشكيل لجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، وبالذات مع صدور تقريرها المرحلي في نيسان(أبريل) الماضي، وما تضمنه من انتقادات شديدة لأولمرت، وهذا كان بتزامن مع بدء فتح ملفات تحقيق ضد أولمرت حول شبهات بالفساد، وأمام الانهيار المتواصل في شعبيته، بدأ أولمرت يبحث عن مخرج لدوامته، وإبعاد طابع الشلل السياسي عن حكومته، فلجأ إلى استئناف المسار التفاوضي مع القيادة الفلسطينية.

ومنذ نهاية الربيع الماضي، ومع بدء الاتصالات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كثر كلام أولمرت التفاؤلي عن احتمالات السلام، ولكن للسلام ثمن يدركه أولمرت، وهذا الثمن لا يمكن أن يكون في ظل ما يريده الإجماع الصهيوني في القضايا الأساسية المتعلقة بالحل الدائم، هذا الإجماع الذي يشمل أولمرت وهو يطبقه على أرض الواقع.

ونبدأ من الآخر: يعلن أولمرت في الأيام الأخيرة، أنه يريد اشتراط اعتراف الفلسطينيين بأن "إسرائيل دولة يهودية"، بهدف سد الباب أمام أي مطلب فلسطيني لتطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى مناطق 1948.

وبنفس الوقت تواصل الحكومة الحالية، بناء جدار الفصل العنصري في قلب مدينة القدس المحتلة وبطول 46 كيلومترا، لسلخ قلب المدينة عن أحيائها الفلسطينية الكبرى، ليقسمها من جديد وفق مقاسات الاحتلال، وهذا بتزامن مع استمرار بناء جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية، بهدف بناء حدود من جانب واحد مع الضفة.

أما بشأن المعارضة "اليمينية" في حكومة أولمرت، فيجب التدقيق في مضمون هذه المعارضة لنرى أنها معارضة ليست من حيث الجوهر المتفق عليه، فالمعارضة في داخل الحكومة، المتمثلة بحزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة العنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان، وحزب "شاس" بزعامة الوزير إيلي يشاي، وحتى وزراء من حزب "كديما" الذي يتزعمه أولمرت، هي معارضة حول التكتيك والتوقيت، وكثير من دوافعها حزبية، خاصة وأنها شريكة بالإجماع الصهيوني حول شكل الحل الدائم، الذي تريد إسرائيل فرضه على الشعب الفلسطيني، وهو عبارة عن دولة ممسوخة، لا قدرة لها عليها الحياة والتواصل بين مناطقها، مجموعة من سجون وزنازين جغرافية لا أكثر.

وأولمرت أكثر شخص معني بمعارضة كهذه في حكومته، ولو لم تكن موجودة، لأوجدها أولمرت بنفسه، لأنها "الدراع الواقي" من الضغوط الدولية، وبسببها يصبح الشغل الشاغل لدول القرار: "علينا التقدم بحذر لئلا تسقط حكومة أولمرت ويصل اليمين المتشدد إلى الحكومة"، وإلا فمن دون معارضة كهذه، ستظهر إسرائيل وكأنه لا شيء يعيقها لتقديم مستحقات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهذا ما تريده الحكومة الحالية كسابقاتها.

وحتى المعارضة اليمينية خارج الائتلاف، تعي حقيقة جوهر سياسة الحكومة الحالية، ولكنها تعارضها من منطلق كونها معارضة للحكومة، وأيضا من منطلقات حزبية.

السيناريوهات الإسرائيلية تتكرر من دون توقف، ولا تتغير فيها سوى الأسماء، بينما الجوهر واحد، وهو أن إسرائيل لم تتحرر بعد من عقلية الحرب الاحتلال.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

[email protected]

التعليق