مزيد من إجراءات هدم الثقة

تم نشره في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

ظل تعبير "اجراءات بناء الثقة" بين العرب والاسرائيليين،او بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يتردد منذ أن انطلقت عملية السلام من مدريد عام1991 وكانت الفكرة ان تستعاد الثقة المفقودة بين الجانبين بالتدرج.اذ كان الاعتقاد انه لا يمكن للسلام ان يتم دفعة واحدة. والحقيقة ان الامر لم يكن كذلك،بالنسبة للجانب الاسرائيلي على الاقل: ما كانت تقصده اسرائيل من اجراءات بناء الثقة هو فقط التهرب من القضايا الاساسية بحثاً عن الخطوات التخديرية الصغيرة التي تخلق الانطباع أن هنالك تقدما نحو السلام،وان هنالك تفاوضا،وان المشاكل تذوب بالتدريج،بينما الواقع غير ذلك.

ظلت اسرائيل تختبئ وراء مثل هذه الاجراءات فارغة المحتوى الى الآن.ولكن، ويبدو بعد ان نفذ مفعول تعبير "اجراءات بناء الثقة"،عمدت اسرائيل الآن الى عمل النقيض اي اللجوء لإجراءات هدم الثقة،خوفاً من ان يتحول مشروع انابوليس الى مناسبة للضغط على حكومة اسرائيل للالتزام بمتطلبات سلام لا يقع على حكومة اسرائيل للالتزام بمتطلبات سلام لا يقع على جدول أعمالها،وبشروط تسوية للصراع التاريخي،ما تزال اسرائيل بعيدة عن الاستعداد للبحث الجاد فيها.

خلال الزيارة الاخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة أُعلنَ في اسرائيل عن مصادرة اكثر من ألف دونم من أراضي وأملاك خاصة للفلسطينيين لتوسيع التجمعات الاستيطانية اليهودية المحيطة بالقدس في وقت يكثر فيه الحديث عن العودة لخارطة الطريق التي تقضي المرحلة الاولى منها وقف الاستيطان سواء أكان ذلك لتوسيع المستوطنات القائمة او لإنشاء مستوطنات جديدة.

كان الاعلان عن مصادرة الاراضي العربية قد صدر بينما وزيرة الخارجية على وشك الوصول لاسرائيل.وبعد ان وصلت أعلن عن اجراء بناء ثقة آخر وهو استئناف الحفريات بجوار المسجد الاقصى وفي محيطه وفي الطبقات الدنيا تحت الابنية,كما شاهدنا ذلك على شاشات التلفزة ليل الاربعاء الفائت والمسؤولون الاسرائيليون وأعضاء الكنيست يتفقدون الخنادق والاساسات والحفريات تحت الارض.

من الطبيعي انه لا الاعلان عن مصادرة الاراضي،ولا الاعلان عن استئناف الحفريات كانا من قبيل المصادفة.وليس من المعقول ان تكون اسرائيل غير واعية بخطورة هذه الاجراءات، التي استقبلت بها وزيرة الخارجية وبردود الفعل المحلية والعالمية الغاضبة عليها.

المعقول والواقع ان اسرائيل قصدت استفزاز ردود الفعل،وإشغال الوزيرة الزائرة بقضايا ومشاكل جديدة حتى لا تترك لها المجال للبحث فيما جاءت من أجله وهذا حدث بالتحديد والتأكيد. كما قصدت اسرائيل ان تطلق رسالة واضحة لكل من أراد ان يحسن الظن "بإجراءات بناء الثقة".والرسالة هي ان الاستيطان مستمر على قدم وساق،وكذلك خلق الحقائق على الارض في القدس وفي أي موقع آخر من فلسطين. والآن ومع انحسار المسافة التي تفصلنا عن أنابوليس نسمع عن اجراءات اسرائيلية جديدة،من الصعب ان نحدد انها لبناء أو لهدم الثقة.

الحفريات التي أعلن عنها خلال وجود السيدة رايس في المنطقة والتي قيل انها اوقفت، أعلن مساء الاربعاء انها قائمة وانها قطعت شوطاً بعيداً،ولكل من شكك في ذلك عرضت صورها على شاشات التلفزة بينما كانت شخصيات اسرائيلية رسمية تتجول بينها تأكيداً لإقرارها ودعمها.

وثمة اجراء "بناء ثقة!" آخر تمهيداً اسرائيلياً للقاء انابوليس,وهو مشروع تعديل القانون الاساسي المتعلق بالقدس في الكنيست الاسرائيلي الذي قدمه عضو الكنيست جدعون ساعار وخمسة وعشرون نائباً آخر,لتصبح الاكثرية المطلوبة للموافقة على أي قرار بشأن القدس

(80) نائباً وليس(61) نائباً كما كان عليه الامر من قبل.والغاية تكبيل يدي الحكومة الاسرائيلية بصورة أشد بالنسبة للقدس.فقد كانت الرسالة التي قصد إطلاقها من ورائه هي كما نقلت هآرتس عن مقدِّم المشروع:"كل واحد سيعرف بعد الآن،من طرف هذا العالم حتى طرفه الآخر، في رام الله وفي واشنطن،وفي لندن، وفي موسكو، ان الكنيست الاسرائيلي قد عبر عن ايمانه بالقدس على انها العاصمة الابدية التي لا خلاف حولها".

ما هو أخطر من كل ذلك هو الاصرار الاسرائيلي على الاعتراف بإسرائيل كدولة لليهود، وليس كدولة يهودية فقط كما يتردد.من الواضح ان هذا الإصرار،والمطلوب اعتراف فلسطيني به،يهدف الى الإقرار بأن لا حق لأي عربي أن يبقي في اسرائيل،او ان يطالب بالعودة لاسرائيل.

الفكرة ليست جديدة.لقد حاول شارون ان يثبت الاعتراف بها في قمتي شرم الشيخ والعقبة صيف عام 2003 وكان المفروض ان ترد في الخطاب الذي أعد لمحمود عباس(وكان وقتها رئيساً للوزراء في السلطة) لتلك القمة ولكنه رفض.وكان الحل الوسط ان يذكرها شارون ويرد عليه الرئيس بوش بإقرارها.

فقال شارون ضمن كلمته:"ان دولة ديمقراطية فلسطينية في حالة سلام كامل مع اسرائيل من شأنها دفع الأمن والسلام طويل الاجل لاسرائيل كدولة يهودية".ورد بوش على تلك الفقرة في كلمته بالقول:"انني ملتزم بقوة بأمن اسرائيل كدولة يهودية حيوية".

منذ تلك المناسبة أخذت اسرائيل تردد بأنها دولة يهودية ولليهود فقط،وها هي الفكرة تطرح الآن كشرط رئيسي لبدء أي تفاوض مع الفلسطينيين.ومن الطبيعي ان القبول الفلسطيني بذلك -ولا يزال الجانب الفلسطيني يرفض ذلك- يعني ليس فقط التنازل الكامل عن حق العودة،بل يعني فوق ذلك سحب الحق من كل عربي موجود داخل اسرائيل حتى الذي اصبح اسرائيلي الجنسية،سحب الحق منه في البقاء حيث هو.

مقابل ذلك يتردد الحديث في اسرائيل عن اجراءات بناء ثقة جديدة: تجميد الاستيطان انسجاماً مع متطلبات المرحلة الاولى من خارطة الطريق,واطلاق سجناء حبذا لو كان الامر كذلك.فتلك أيضاً ادعاءات خادعة وخطيرة.فالخبر كما نشرته هآرتس الاربعاء الفائت يشير الى مسعى اسرائيلي باستثناء الكتل الاستيطانية الكبيرة من الالتزام بعدم التوسع.

أليس ذلك بمثابة ابطال للفكرة قبل ان ترى النور.والى متى سوف ننساق وراء تعبير "البؤر الاستيطانية غير الشرعية" والذي لا يقصد منه أكثر من تدريج مفهوم وجود استيطان غير شرعي وآخر شرعي.

اما الحديث المتكرر، والوعود الباطلة عن اطلاق المعتقلين بالعشرات بينما تتعدى أرقام المودعين في سجون العدو ما يزيد على12 ألفاً،وبينما يتم اعتقال المئات كل أسبوع،فهو حديث فارغ كغيره من "اجراءات هدم الثقة" المستمر بلا انقطاع.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق