محمد أبو رمان

معضلة "البرنامج" الإخواني!

تم نشره في الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

كتب الزميل والصديق ياسر الزعاترة بالأمس مقالاً، في الدستور الغرّاء، بعنوان "مقاومة الإسلاميين أهم من برامجهم" يردّ فيه على مقالي "المدينة الفاضلة في برنامج الإخوان"، المنشور في "الغد"، دون أن يشير إلى المقال مباشرة، لكن مع "نقد المضمون". بتقديري فإنّ الفقرة الأولى في مقال الزعاترة تكشف بوضوح الفكرة البنيوية التي يستند عليها، إذ يقول: "هناك من يمارس لعبة الاستدراج المتواصل مع الإسلاميين في الدول العربية عبر إشغالهم بحكاية البرامج والأسئلة المتوالية حول مواقفهم من هذه القضية أو تلك في حال وصلوا إلى السلطة. يعلم أصحاب اللعبة المذكورة أنّ الإسلاميين لم يقتربوا حثيثاً من السلطة في ظل ديموقراطية الديكور القائمة، كما يعلمون أنهم لو جاءوا ببرامج كتبتها الملائكة لما وجدت فرصتها في التطبيق في الوقت الراهن، وحين نسمع من يمدح برنامج حزب العدالة والتنمية المغربي فسيكون بوسعنا أن نسأله عن مصير ذلك البرنامج".

دون الدخول في تفاصيل كثيرة، لي ملحوظات مقتضبة على مقال الزعاترة، والقاعدة المعروفة أنّ الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية.

الملحوظة الأولى؛ لا أعرف لماذا يفترض الزميل أنّ تقديم الإسلاميين لبرامج سياسية واقتصادية واقعية يتناقض مع ثوابت الأمة وقضاياها المصيرية! فلماذا لا تصر الحركات الإسلامية على "ثوابتها" وتمارس العمل السياسي الحزبي الحقيقي الواقعي. وإذا كان هنالك تناقض ما، فليكن الحل أن تحافظ جماعة الإخوان على دورها الثقافي والاجتماعي وتترك المجال لحزب جبهة العمل الإسلامي يخوض المعمعة السياسية، يصيب ويخطئ، وتبقى الجماعة بعيدة عن "الوحل السياسي" إن جاز التعبير.

الملحوظة الثانية؛ لا شك أنّ الديمقراطية العربية، والأردنية طبعاً، تعاني من أزمات بنيوية وتفتقد إلى المصداقية بصورة كبيرة، لكن في المقابل فإنّ الحركات الإسلامية قبلت بهذه اللعبة وبالدخول إلى البرلمان والمشاركة فيه. فإذا كان من المستبعد على الإسلاميين تشكيل الحكومة (في الأمد القريب) فإنّ الإسلاميين سيشكلون أكبر "كتلة معارضة" في البرلمان، ومن حق الشعب الذي انتخبهم أن يعبّروا عن مصالحه في مناقشة السياسات الاقتصادية والداخلية وتقديم بدائل منطقية وواقعية، والا يكون النائب الإخواني "خالي الوفاض" لا يمتلك أية رؤية حول التحولات الاقتصادية البنيوية التي تمر بها البلاد، وألا يقتصر دور هذا النائب على "تصحيح الأخطاء النحوية!" في مشاريع القوانين.

ومن المعروف في أي مجلس نواب أنّ المعارضة، حتى لو كانت حزب "الأقلية" على الدوام، تشكّل حكومة "الظل"، ودور حكومة الظل ليس رفع الشعارات، إنما معارضة بنيوية تناقش السياسات العامة وتقدم تصورها المقابل ليكون الشعب على بيّنة من أبعاد السياسات الحكومية.

وإذا سرنا قليلاً إلى الأمام مع فرضيات الصديق الزعاترة فإنّ هنالك أملاً أن يشكل الإسلاميون على المدى الأبعد الحكومة، فلا ضير أن يتدربوا – إذن- في المرحلة القادمة على "الممارسة السياسية الواقعية". بخاصة أنّ الحركات الإسلامية بدأت اليوم في العديد من الدول بممارسة السلطة السياسية، وتبين مستوى الإخفاق، الذي طبعاً يبرره الزميل الزعاترة، سواء في فلسطين أو العراق أو حتى دول أخرى.

الملحوظة الثالثة؛ برأيي أنّ الصديق الزعاترة ينطلق من فرضية معروفة في الخطاب الإسلامي المعاصر؛ فهو ابن مدرسة ترى أنّ الأوّلوية لمقاومة الاحتلال والهيمنة، وأنّه لا أمل بالإصلاح السياسي الحقيقي أو التقدم الاقتصادي في المشرق العربي إلا بحل المشكلة الفلسطينية.

ومع أهمية القضية الفلسطينية ومحوريتها، إلاّ انني من مدرسة ترى أنّ المساهمة الشعبية العربية والإسلامية في حل القضية لا تكمن بمصادرة مصالح الشعوب الأخرى وشؤونها الداخلية، فتصبح القضية الفلسطينية "قميص عثمان" للأنظمة للتملص من الإصلاح!

دور الحركات الإسلامية ينبع، أيضاً، من الهم الوطني ومن مساهمتها في التعبير عن مصالح شعوبها وحاجاتها وتوقها للإصلاح العام، وهذا لن يكون إلا بالعمل السياسي والتنموي الداخلي، وهذا لن يتأتى باختلاق الأعذار والحجج بل بالولوج بصورة كاملة وفعالة في العملية السياسية وتقديم البرامج وتطويرها والانشغال بها.

ولا أعرف ما الحجة بعدم وصول العدالة والتنمية المغربي إلى الحكم، إذا كانت الانتخابات (وشهد الحزب أنها حققت الحد الأدنى من المصداقية) قد أرجعته إلى المرتبة الثانية! فالمهم أنّ الحزب طوّر من خطابه وتقدّم إلى الأمام وقطع مع مرحلة الشعارات الشعبوية، وهو ما فعله العدالة التركي.

الملحوظة الأخيرة؛ أخشى أن ردّ الزميل الزعاترة يأتي في سياق قول أحد قادة الإسلاميين في الأردن إنّ إصرار الحركة الإسلامية على شعاراتها، في ظل عدم وجود فرصة لوصولها إلى السلطة قريباً، هو من باب كسب الشعبية على "ظهر الحكومة"، أعتقد أنّ المتضرر الرئيس من هذا المنطق هو الشعب الذي سيبقى تحت "إبر التخدير"!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل (محمد كساسبه)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    الله يعطيك العافيه
  • »مشية الحجل!! (samer)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    المراد من الاخوان في ظل الحمله العالميه الشرسه على الاهاب والاخوان جزء من ذلك حسب الواقع المفترض.. المطلوب (لخم) الاخوان بفوضى ممنهجه من الداخل! والخارج.. تحت مسميات الديناميكيه والبراغماتيه وافراز قياده صالحه لهذه المهمه.. وبعد ذلك سيصبح حالنا كمن حاول من الطيور تقليد الحجل بالمسير.. النهايه معروفه؟! كان الله بعون الاصلاء من الاخوان
  • »والمقاومة أيضا برنامج (أبو أسامة)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    النظرة الشمولية الإسلامية للحياة تقوم على أساس جلب المصالح ودفع المفاسد وعلى هذا نتقدم ببرامجنا نحو الآخر( المسلم -المسيحي- الحكومة...الخ)، فإذا لم تكن المقاومة - ليس بالضرورة أن تكون بالسلاح- جزء لا يتجزأ من برامجنا فماذا نفعل؟؟
    أحسب أن الإسلاميين مطالبون بتقديم تصو رللحياة(أساتذية العالم) قائم على فقه الواقع وفقه الأولويات مراعين التطور ذات مرونة في التطبيق متحسسين هم الناس ومشكلاتهم مع عدم نسيان الثوابت.