محمد أبو رمان

باكستان على حافة الهاوية

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

يبدو أنّ الرئيس الباكستاني برويز مشرّف قد تخلّى أيضاً عن طوق النجاة الذي قدمته له الإدارة الأميركية، أي الصفقة مع رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو، وقرّر أن يضع مستقبله، بل ومستقبل البلاد في ذمة المجهول والتكهنات، مع إعلانه حالة الطوارئ العامة، وزجه بمئات السياسيين والمعارضين من مختلف الاتجاهات في السجون، وترك مقاليد الأمور للجيش والأمن، مع ترجيح (بات شبه مؤكد) بتأجيل الانتخابات التشريعية، قبل أيام من موعدها، إلى أجلٍ غير محدد.

أحد أهم أسرار التحول الجديد يكمن في موقف الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأهم والداعم الأكبر لمشرّف. فقد أبدت الإدارة الأميركية بصورة واضحة عدم رضاها عما قام به مشرّف، وألمحت إلى عقوبات قد تتخذها في حال تمّ تأجيل الانتخابات التشريعية، وهذا الموقف يطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل مشرّف، فيما إذا كانت الإدارة الأميركية (الغرب) قد رفعت الغطاء عنه، وتركته لأقداره، مع التذكير بالمخاوف الشديدة لدى الإدارة الأميركية أن يؤدي انهيار نظام مشرّف إلى قيام نظام "أصولي" يمتلك الترسانة النووية والعسكرية الباكستانية الضخمة، ويؤدي بالفعل إلى انقلاب كامل في مسار العلاقات الدولية وموازين القوى وأنماط التفاعل بين دول آسيا وإعادة تشكيل التحالفات الدولية في هذا الصدد.

"التخلّي عن مشرّف" يعيد السيناريو الإيراني إلى الأذهان، عشية الثورة الإسلامية عام 1979، وقد أبدى مؤرخون واستراتيجيون أميركيون – فيما بعد- أسفهم الشديد لما اعتبروه خطأً استراتيجياً فادحاً ارتكبته الإدارة الأميركية (آنذاك) بتخليها عن حليفها الوثيق في المنطقة، كما هي حال مشرّف اليوم. أمّا سيناريو الطوارئ والزج بمئات المعتقلين من كافة القوى السياسية والمضي إلى أبعد مدى في المواجهة الداخلية فيذكّر بالملمح العام للمشهد المصري عشية سقوط السادات على يد ضباط الجيش، فـ"من مأمنه يؤتى الحذر"..

تكمن المفارقة الكبيرة في أنّ أساس الأزمة الداخلية الباكستانية وتفجّر الصراع الدموي بين مشرّف والقوى الإسلامية - على مختلف مناهجها ومواقفها- يعود بالدرجة الأولى إلى التزام مشرف الكامل بالموقف الأميركي ومشاركته كحليف استراتيجي رئيس في "الحرب على الإرهاب".

فالسياسات الجديدة للرئيس مشرّف كانت بمثابة "انقلاب جذري" على المرحلة السابقة واصطدام مباشر مع الخبرة التاريخية الباكستانية والهوية "السياسية- الدينية" للبلاد، وهو بصورة أخرى "مواجهة مع الداخل بالرهان على الخارج"، فكيف إذا خسر الجنرال الخارج في هذه اللحظة التاريخية العصيبة؟.. مع التذكير أنّ مشرّف قد تعرّض لعدة محاولات انقلابية خلال الشهور القليلة الماضية، ومع التذكير – أيضا- أن هنالك أسئلة مطروحة حول خلفيات العلاقة بين الجيش وأجهزته الأمنية وبين القبائل الباكستانية والحركات الإسلامية المختلفة، في ظل ظروف خلقت انطباعاً شعبياً رمزياً فحواه "الجنرال في مواجهة المسجد"، سواء تجلّت هذه المواجهة من خلال "أحداث المسجد الأحمر" التي خسر فيها الجنرال المعركة الإعلامية بصورة سافرة، أم من خلال معركة "مناهج المدارس الدينية" أم المعارك المحتدمة مع القبائل البشتونية في المناطق الشمالية الغربية، أم الصراع بين الجنزال وبين القوى الإسلامية في البرلمان الباكستاني، أم تخليه بصورة كبيرة عن دعم المجموعات الإسلامية المسلحة في إقليم كشمير.

لسنا بالضرورة أمام عملية "استنساخ تاريخي" لـ"الثورة الخمينية" أو مصير الرئيس السادات أو أمام احتمال انقلاب عسكري، فدلالات الأزمة الباكستانية تتعدد وتتنوع لتضعنا أمام سيناريو أخطر (تبرز موضته في المنطقة بأسرها) أي سيناريو التقسيم والتفتيت. فباكستان تعاني - في الأصل- من أزمة مزمنة في علاقة الأقاليم الأربعة ببعضها (البنجاب، السند، بلوشستان، المناطق القبلية في الشمال)، وهنالك غياب ملحوظ للدولة في مناطق شاسعة في إقليمي بلوشستان والمناطق الشمالية الغربية، بالإضافة إلى أزمة الشرعية والتوزيع والاندماج السياسي وكلها أزمات تضرب صميم الوحدة الجغرافية والاستقرار السياسي وتنذر بمفاجآت من الوزن الثقيل جداًَ، بخاصة أنّ الخبرة الباكستانية تحمل في أحشائها سيناريو مشابها عندما انفصلت بنغلادش بدعم من الهند في سبعينيات القرن المنصرم.

يصعب تماماً تحليل "رهان الجنرال" في خطوته المصيرية الأخيرة؛ لكن ما هو واضح تماماً أنه خلع سترة الحماية الأميركية في مواجهة الداخل الملتهب.. إنّها حافة الهاوية مع نهايات مفتوحة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق