د.باسم الطويسي

مشروع التشغيل الوطني ونهاية الأسطورة

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

فكرة مشروع التدريب والتشغيل الوطني الذي تديره القوات المسلحة بالتعاون مع وزارة العمل والقطاع الخاص، والذي تسارعت خطاه بإرادة سياسية واضحة وبتدخل ملكي مباشر، يستحق التوقف طويلاً، فهذه المرة الأولى التي تطرح فيها أفكار جريئة وعملية، ويبدأ تطبيقها الفعلي في مسألة الحد من البطالة منذ أن تفشت هذه الظاهرة قبل أكثر من عقد ونصف.

اللافت للانتباه أن المشروع الذي أُخذ بتنفيذه الفعلي منذ شهر أيار الماضي، قد أسقط بالفعل واحدة من أساطير تفسير اختلالات سوق العمل والتنمية بشكل عام، وهي تلك الأسطورة التي سيطرت على المجال العام في التسعينيات واستهلكها الخطاب الإعلامي حول ما سمي "ثقافة العيب" في مجال العمل، والتي كانت بمثابة الخطاب الرسمي المقدس لحكومات بأكملها، وتم التنظير حولها بالطول والعرض وشكلت تعميمات بقيت بمثابة مبررات مصدقة لفشل جيل من الحكومات في إيجاد حلول واقعية لهذه الاختلالات.

يكشف هذا المشروع أن مسألة المبررات الثقافية التي كانت مادة جاهزة وتحت الطلب لتفسير ظاهرة البطالة وسط الشباب الأردني غير واقعية، وأنه حينما وجدت الظروف الملائمة التي تلبي الحد الأدنى من الحاجات وتتوفر لها إرادة معقولة ورؤية واضحة وجهة ذات عمق مجتمعي وثقة تمثلت في القوات المسلحة، لاحظنا كيف تدافع الشباب الأردني ومن جميع أنحاء المملكة حيث وصل عدد المسجلين الراغبين بالانخراط في التدريب والتشغيل حوالي (14) ألف شاب أردني من مستويات علمية مختلفة من الصفوف الثانوية إلى خريجي الجامعة، بهدف اكتساب التدريب والمهارة في مهن تتعلق بالإنشاءات وأعمال البناء، تم استيعاب (1500) شاب في هذه المرحلة، ثم تمت زيادتهم بتدخل ملكي إلى خمسة آلاف شاب سيتم ضخهم إلى سوق العمل وحذفهم من بضاعة البطالة.

ما يزال المشروع في بداياته وأمامه تحديات عديدة وأخرى محتملة وطارئة؛ وأهمها استمرار الإرادة الرسمية في الدفع به نحو الأمام، وضمان كفاءة إدارة المشروع وتسويقه للقطاع الخاص المحلي والإقليمي.

الحلقة الضائعة في التنمية الوطنية تكمن في تحديد حزمة تعريفات حقيقية وشفافة لمفاهيم الإنجاز الوطني، فما نملكه ركام هائل من الأرقام تتحدث عن إنجازات لم تصل للأسف إلى الناس ولم تلامس أطراف أو أعماق المجتمع، والغريب ان الناس في بلادنا لديهم طاقة كبيرة في التفاؤل كلما لاحت في الأفق ملامح أو وعود بالتغير، ولكنهم في المقابل يملكون حساسية عالية قابلة للانتكاس، وبصورة اشمل تبدو عناوين الحلقة الضائعة في الفجوة بين ما تسعى إليه الحكومات جاهدة على شكل أرقام وما يسعى نحوه الناس حثيثاً في تفاصيل معاشهم اليومي، بمعنى آخر الفجوة بين ما تريده الحكومات والنخب من حولها وما يحتاجه الناس بالفعل، مما يعيدنا إلى مركز الدائرة حول إعادة تعريف الإنجاز الوطني من جديد.

أمامنا فرص واعدة وكبيرة للاستثمار في العمالة الماهرة وفي تحريك عجلات التنمية الوطنية وإصلاح اختلالات سوق العمل المزمنة، وتشكيل قيمة مضافة حقيقية تضاف للاقتصاد الوطني؛ وهذا أمر يمكننا من فهم بعض جوانب ما يتردد من أرقام كبيرة حول الاستثمارات والنمو الاقتصادي ولا يلمس آثارها الناس، ولا تنعكس على نوعية الحياة، وبالتحديد في الحد من ظاهرتي الفقر والبطالة؛ فإصلاح اختلالات سوق العمل هي الأساس الموضوعي لاستعادة تمكين المواطنين والأسر الأردنية من عوائد التنمية.

الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية لهذا الاستثمار هو تصدير عمالة ماهرة بخصائص نوعية جديدة، واستعادة سوق الموارد البشرية الأردنية لمكانتها وجاذبيتها التي تراجعت بفعل عوامل عديدة منذ عقد ونصف، ومن الأفضل البدء بمجموعة محدودة من المهن والترويج لها باعتبار السوق الأردنية مصدرة لها، وبناء هوية ترويجية خاصة بها، واستثمار الاختلالات التي تعاني منها أسواق الخليج تحديدا في هذا النمط من المهن؛ بمعنى الاستثمار في أزمة العمالة الماهرة التي تعاني منها دول الخليج في ضوء اختلالات الديمغرافيا والهوية في العمالة الوافدة لتلك المجتمعات، التي أصبحت مصدرا للقلق والتذمر بما يخدم الأشقاء ويشكل إضافة نوعية للاقتصاد الوطني.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التنمية بالموارد البشرية (مستفيد من التدريب في هذا المشروع)

    الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    هذه لفته كريمه من سيد البلاد اطال الله عمره في مجتمع تزداد فيه حدة البطالة مقابل مجتمع فتي واتوقع وكما اورد الكاتب وانا معه ان المجتمع الاردني قد تجاوز ثقافة العيب التي اشبعونا فيها قولاً وعندما فتحت الابواب لهؤلاء الشباب للعمل تدافعوا عليها مما يفند كل مقولاتهم برغم اني قد انهيت مرحلة البكالوريس منذ خمس سنوات ولم اعمل وجاء هذا المشروع ليخرجني من صفوف البطاله وشكراً لصحيفتكم الغراء
  • »مشروع وطني يستحق الدعم (sa'ad helalat)

    الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    اود حقيقتا بالبدايه ان اشكر الدكتور باسم على مقالته الجميله . ان التنميه في الاردن بحاجه للاستغناء عن الايدي العامله الاجنبيه و استبدالها بأيدي عامله وطنيه وان هذا الدعم و الاهتمام الملكي يجب ان يقابله اهتمام ودعم من المواطنين و القطاعات المختلفه في هذا الوطن الطيب الذي بحاجه لاعادة صياغة خارطة العماله المؤثره سلبا على الاقتصاد و احتياطي العملات الاجنبيه . واتمنى ادارة هذا المشروع بكفاءه عاليه و بدعم وطني و اجتماعي وعاش الاردن.