محمد أبو رمان

اقرأوا رسالة غازي الحمد

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

قرأتُ رسالة غازي الحمد، الناطق السابق باسم حكومة حماس وأحد أبرز قيادييها، عدة مرّات، ووقفت كثيراً عند هذا الخطاب الوطني الصادق، العقلاني والواقعي المتزّن..

بالفعل؛ تستحق جرأة الحمد التقدير، وأن نحني رؤوسنا احتراماً لهذا الرجل الكبير.. وكم أتمنّى أن تُنسخ من هذه الرسالة عشرات الآلاف من النسخ لتُوزّع ليس فقط على أبناء وأنصار حركة حماس، بل على أبناء التيارات الإسلامية ليقرأوها جيداً، ففيها من العمق والحكمة ما تحتاجه الحركات الإسلامية قاطبةً.

قبل الاشتباك مع مضمون الرسالة يجدر التوقف سريعاً أمام المناخ المحيط بها؛ فمن المعروف أنّ الحمد ود. أحمد يوسف وناصر الشاعر هم من القيادات السياسية البراغماتية المرتبطة بحماس، إما تنظيميا أو سياسياً، وقد نشط هذا الخط الفكري والسياسي (في الشهور الأخيرة، بعد ولوج حماس إلى اللعبة السياسية) في دفع الحركة نحو مزيد من المرونة والعقلانية والواقعية السياسية، إذ كان يشعر باستمرار أنّ الحركة تُجرّ إلى مأزق كبير ومعها الشعب الفلسطيني بأسره.

ليس هنالك ثمة شكّ أنّ هذا الخط أيّد بشدّة اتفاق مكة، وعارض بشدة – أيضاً- الحسم العسكري في غزة، على الرغم من الحجج الكثيرة التي ذُكرت لتبرير ذلك. وكان واضحاً للعيان أنّ الخط المتشدد التنظيمي بقيادة محمود الزهار وأخيه وسعيد صيام ومحمد الجعبري (المدعوم من الجناح العسكري والقوة التنفيذية) هو الذي بات يسيطر على قرار حماس وأوضاع غزة، بالتوازي والتقاطع مع المكتب السياسي بقيادة خالد مشعل (الذي يمتلك الثروة المالية الضخمة لحماس)، على الرغم من الخلافات بين الطرفين. في المقابل فإنّ الخط السياسي- البراغماتي الاستراتيجي ضعُف كثيراً وفقد أهميته وتأثيره في مجرى الأحداث.

وكما كان متوقعاً لم يصبر الزهار ومجموعته كثيراً على الخط المعتدل، وبدأت عملية التحييد والتوقيف الرسمي، التي نالت كل من ناصر الشاعر وغازي الحمد واحمد يوسف، الذين افترقوا استراتيجياً عن الخط المتشدد بعد "انقلاب غزة" وعارضوا الأسلوب الأمني "العُصابي" الذي تحكم به حماس القطاع المحاصر المعزول.

في هذا السياق تأتي رسالة الحمد، الذي سبق له أن كتب مقالة رائعة – أيضاً- بعنوان "ارحموا غزة". ليعود اليوم ويؤدي الأمانة الثقيلة في النقد الذاتي وكشف مستوى التخبط والأخطاء الاستراتيجية التي تقع فيها الحركة منذ أن شاركت في العملية السياسية عام 2006.

أبرز ما يقوله الحمد: أنّ حماس لا تمتلك رؤية استراتيجية، فقدت البوصلة، تغرق في أخطاء فادحة وتُستدرج بالمفاجآت والصدمات من مأزق إلى آخر أخطر وأكبر، وأنّ لديها مشكلة في "عقلية المؤامرة" وفي "ثقافة التعايش" مع الآخر، وأنّها لا تستطيع أن تميّز بين مرحلة المقاومة والمعارضة وبين مرحلة السلطة والحكم، ولا التمييز بين الاعتبارات التنظيمية والحركية وبين الاعتبارات الوطنية والسياسية العامة.

يؤكد الحمد أنّ انقلاب غزة كان خطأ استراتيجياً قاتلاً، تلته أخطاء أخرى كبيرة في إدارة القطاع، وأنّ صورة حماس اهتزت لدى الناس، فباتت الحركة مثار جدل وخلاف، وأنّها تفقد ثقة الشارع وتخسر حلفاءها من القوى السياسية الفلسطينية الأخرى، وأنّ حماس قد عمّقت الشرخ بين الضفة وغزة وجذّرت الأزمة الوطنية الفلسطينية.

بل يذهب الحمد أنّ الحركة أضاعت فرصاً ثمينة سابقة في الشراكة الوطنية والالتقاء مع الرئاسة الفلسطينية، وكان المطلوب لا أن تتخلى الحركة عن "ثوابتها"، بل أن تتحلّى بروح أكبر من "المرونة السياسية" والرؤية الاستراتيجية في التعامل مع الواقع وتعقيداته ومتغيراته الجديدة.

بالطبع؛ لا ينفي الحمد دور الطرف الآخر (حركة فتح) فيما وصلت إليه الأمور لكنه – باختصار- يرى أنّ الحركة سلكت الخيارات الاستراتيجية الخاطئة في مواجهة تلك الاستحقاقات والتحديات.

لكن؛ لماذا على الحركات الإسلامية (أفراداً وأنصاراً وقيادات) أن تقرأ رسالة الحمد جيداً؟! ذلك أنّ الأمراض والآفات والمشكلات التي تحدّث عنها الرجل (في حماس) كامنة في أكثر هذه الحركات سياسياً وثقافياً.. فأخطاء حماس عكست – من زاوية أخرى- طبيعة البنية المهيمنة لدى الإسلاميين.

هكذا تحدّث الحمد؛ ثمة فرق بين المسيرات والمظاهرات والخطابة الجماهيرية وبين السياسة ومقتضياتها والدولة ومصالحها.. على الإسلاميين الخروج من (غيتو) التنظيم إلى مشروع الوطن والدولة، ومن ثقافة الشك والمؤامرة إلى ثقافة التعايش والشراكة الوطنية.. على الإسلاميين أن يفتحوا نوافذهم للهواء النقي- للفكر التجديدي النقدي، وأن يكنسوا بيوتهم من الفكر المهترئ المتكلّس، وألاّ يغتروا بالصعود فقد يكون بداية الانحدار..

هل هذه الأمراض حكر على الإسلاميين أم أنّها داء يصيب القوى السياسية الأخرى والسلطات الحاكمة؟ ربما؛ لكن إذا كان البديل الموعود من ذات "طينة" البلاء المقيم، فأين الأفق؟!

أيها الإسلاميون.. أنصتوا لغازي الحمد واقرأوا رسالته؛ ففيها وصف الداء والدواء..

***

يمكن الاطلاع على رسالة غازي الحمد على الرابط التالي

http://www.alquds.com/inside.php?opt=2&id=47705

 

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اين توجد الرسالة (ابراهيم صدقة)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    ارجوا من الاخ محمد ابورمان ان يطلعنا على الموقع الذي نشر الرسالة او ان يزودنا بالمقال اذا كان مكننا


    المحرر: رابط رسالة الحمد موجود في آخر مقال الزميل محمد أبو رمان
  • »تعقيب على التعليقات (محمد أبو رمان)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    الأخوة الأكارم شكرا لكم هذه المساهمة والنصائح والنقد الذي اعتز به.
    أخي الأهدل؛ بالتأكيد ننشر ردك لأنه وجهة نظر نحترمها ونقدرها، وربما لا نتفق معها.
    ولعل الملاحظة تشمل الأخ الناصح الأمين والأخ عصام.. ياجماعة أرجو أن نقرأ باريحية اكثر، وبعيدا عن العقلية التصنيفية، ولذلك الرد على الملاحظات السابقة هو بسهولة العودة إلى قائمة المقالات التي نشرتها في الغد، والجزيرة نت، وقد دافعت في كثير منها عن حماس وعن الإخوان وبعض الحركات الإسلامية ضد سياسة المؤسسة الرسمية في الأردن، وهي مقالات موجودة ودعوها تكن الحكم بيني وبينكم. وأحيل فقط إلى مقالين الأول "أما حماس فلا بواكي لها" والثاني "هنية في طهران ماذا جنت عمان".
    لكن ما أتمناه من إخواني أن نخرج إلى التفكير النقي والهواء الصحي بعيدا عن التحيز العاطفي والشد العصبي، وإلا فحماس من ناحية نظرية هي حركة وصلت بالديموقراطية ولها حق الحكم والعمل والحصار عليها ظالم، وإسرائيل كيان مصطنع جاثم على أرض فلسطين، كلها صحيحة لكن نحن نتحدث عن واقع موجود وموازين قوى وخيارات سياسية تفرض على الجميع بناء موازنات واجتهادات.
    وإذا كنا نعتقد أن حماس اجتهدت فأخطأت، أفلا تقبلون منا المعيار ذاته!
  • »I agree with Abu rumman (Khaled Salaymeh)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    Mr. Abu Rumman,

    I like your analysis and agree with you 100%.
    People who commented on your article on this website, they try to read your mind and not words and that is wrong. All what you said is right and I agree with you that Mr. Ghazi Hamad is also right that Hamas has lost its path and it needs urgent re-evaluation. Its good that Mr. Ghazi Hamad is still in Hamas, because they need him, but that does not mean that Hamas has done good over the last few months. They are stuck and do not know what to do .
  • »ارحموا الكاتب وارحموا غزة (احمد)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    التعليقات السابقة تكشف عن عقلية مماثلة للعقلية التي تسيطر على حماس وهي العقلية التي لا تقبل النقد، من الواضح ان الكاتب يعطي رأيه من منطلق حقائق وحرص على القضية وعلى حماس. لقد خرحجت حماس من ضمير الشعب الفلسطيني اتعيش في بعض الزقاق في غزة "مؤقتا".
  • »شكرا.. (ماجد الاهدل)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    حقيقة توقعت الا تنشر ردي.. تفاجئت بالرد؟ اشكرك واذكرك اخي محمد باهمية الموضوعيه والاتزان بالنقد.. وتاكد لولاهم ما كنت خبيرا بشؤون الحركه الاسلاميه. فوالله الفضل لها.. شكرا استاذ محمد
  • »نقطة نظام (esam-r)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    بعد قراءتي لمقالك يا استاذمد...تتبعت كل او معظم ردود الفعل على مواقع حماس وغيرها!!!لفت انتباهي امر مهم(ان غازي ما زال بالحركه. والذين ردوا عليه او انتقدوه) ما زالت وحدة التنظيم والمصلحة تجمعهم...بالله عليك في اكتر من هيك ديمقراطيه!يا رجل هاني الحسن انتقد شوي؟ والنتيجه تعلمها؟؟
  • »نصيحة (من ناصح)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    أخي محمد
    بالرغم من أنك تحاول أن تبدو باحثاً محايداً إلا أن حروفك تفضح أجندتك أو على الأقل ما في باطنك.
    أخي محمد
    الإسلاميون الذين كنت واحداً منهم يوما ما بشر من خلق الله تعالى يعيشون بين الصواب والخطأ ولا عصمة لأحد ،ولكن لماذا تكتب أخطاؤهم بالخط الأحمر ويشهر بها ، بينما تخفى وتزيف إنجازاتهم
    أخي محمد
    آمل أن أرى لك مقالا يمتدح أو يثني على إنجاز واحد للإسلاميين من باب الموازنة فقط ، حتى توفر المصداقية لخطابك وتشوش قليلاً على من يرصد انحيازك الواضح
  • »مش معقول! (ماجد الاهدل)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    من خلال قراءتي لمقالك لفت انتباهي امران. 1-انفتاح قريحتك الكتابيه، لامساكك بالفريسه التي تقتات من خلالها(عداوة الاسلاميين)تحت غطاء ظاهري بانك خبيربالشؤون الاسلاميه! 2-ما الجديد بالمقال يا استاذ محمد, والله النقد الذاتي من عمرك واكثر بالحركه الاسلاميه. ثم الجماعات الحيه تولد الكبار امثال الحمد وغيره. فهو ابن حماس وسيبقى.. لكنني ارى ملاحظاتك يجب ان تكون للدوله او باقي الاحزاب؟؟ هل اعترفت الحكومه يوما كمتال باخطائها.. نفسي اعرف من انت؟؟ وتذكر بانك ستسال عن نواياك والدافع للكتابه للمصلحه ام للكسب... صباحك سعيد.