إبراهيم غرايبة

جبهة باكستان

تم نشره في السبت 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

ماذا حصل لباكستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول؟ الواقع أن النتائج والتداعيات التي أعقبت الأحدث جعلت باكستان هي المسرح الرئيسي للأحداث، فقد انقلبت السياسات والمواقف الباكستانية وكأن برجي مركز التجارة العالمي في كراتشي وليس في نيويورك، وتأثرت باكستان بالأحداث أكثر من الولايات المتحدة الأميركية بل وأكثر من أفغانستان، وتؤشر الأحداث اليومية التي تقع في باكستان والكثير منها يقع قريبا أو حول برويز مشرف نفسه، فقد أسقطت طائرة ترافقه، وتعرض موكبه لهجوم مباشر، وتقع باستمرار عمليات كثيرة تستهدفه وتقترب منه كثيرا، ولئن نجا في كل المرات السابقة فإنه يبدو واضحا أن الرئيس الباكستاني شخصيا أصبح مهددا على نحو خطير، وتظهر العمليات التي وقعت برغم أنها لم تصل إليه مباشرة أن منفذي هذه العمليات من الممكن جدا أن يصلوا إليه، وبالطبع فإن ذلك ليس مستغربا بعد المغامرة الكبرى التي أقدم عليها الرئيس الباكستاني والتي تبدو محاولة لإجراء تغيير كبير في العقيدة الإستراتيجية التاريخية للجيش والإدارة والحكم في باكستان.

يقول الصحافي الباكستاني زاهد حسين في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان جبهة باكستان أن مشرف تلقى رسالة بعد يومين من الأحداث سلمها له ويندي تشامبرلان، السفير الأميركي في إسلام آباد تتضمن مجموعة من المطالب السريعة الحاسمة، ومنها: إيقاف عمليات القاعدة على الحدود الباكستانية، ومنع مرور السلاح والدعم اللوجستي عبر باكستان، ومنح الطائرات الأميركية حق التحليق في المجال الجوي الباكستاني وحق الهبوط، واستعمال القواعد البحرية والجوية والحدودية الباكستانية، والحصول على معلومات فورية من الاستخبارات وسلطات الهجرة، ومنع كل مظاهر الدعم المحلي للعمل العدائي ضد الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها، وقطع إمدادات الوقود عن طالبان، ومنع المتطوعين الباكستانيين من الذهاب إلى أفغانستان، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع طالبان، ومساعدة الولايات المتحدة في تدمير شبكة القاعدة. وقد أكد مشرف في حديثة مع بوش استعداده لتلبية جميع هذه المطالب.

كان التعاون الباكستاني مهما جدا للولايات المتحدة، وربما لولا ذلك لما أمكن تنفيذ العمليات الأميركية بهذه الفاعلية التي تمت بها، وقد واصلت الولايات المتحدة طلباتها الاستخبارية واللوجستية من باكستان.

ويقول زاهد حسين إن هذا التحول الباكستاني أصاب الجيش بالذهول، وحتى السلطات الأميركية شعرت بذهول من حجم التغييرات الباكستانية، فقد كانت باكستان قبل ذلك تعارض بشدة السياسات الأميركية تجاه أفغانستان وطالبان، بل كان مشرف يمدح طالبان علنا.

وبدأ نظام طالبان ينهار بسرعة فاجأت حتى الأميركان أنفسهم، لدرجة أن بوش طلب من تحالف الشمال بناء على طلب مشرف تأخير دخول قواته بضعة أيام إلى كابل ليتسنى مغادرة كابل لمن يرغب فيها تلافيا لعمليات انتقامية متوقعة، وبالطبع فإن باكستان برغم ذلك لم تكن سعيدة باستيلاء تحالف الشمال على السلطة في أفغانستان.

وانتقلت الحرب من أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان إلى باكستان، فقد لجأ المقاتلون الطالبانيون وحلفاؤهم إلى الحدود الأفغانية الباكستانية والقبائل البشتونية التي تقيم في منطقة الحدود، ويذهب زاهد حسين إلى القول ان المخابرات الباكستانية رتبت ممرا آمنا لمقاتلي القاعدة للعبور من أفغانستان إلى المناطق القبلية والحدودية في باكستان.

وربما كانت الممرات الوعرة وشبه المهجورة في الجبال الوعرة أكبر من قدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية الباكستانية على مراقبتها.

وكان مشرف الخائف من ردود أفعال سياسية حادة مترددا أيضا في ملاحقة المسلحين حتى النهاية، فلم يكن يرغب في شن عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد القاعدة في حين كان معظم قواته منتشرا على طول الحدود الهندية بسبب التوتر الناجم عن قضية كشمير.

ولم تكن وكالات الاستخبارات الباكستانية مؤهلة للتعامل مع الموقف الجديد الذي نشأ بعد سقوط نظام طالبان، فالتغيرات الجذرية في السياسات الباكستانية والتطورات الناشئة بعد الحرب على القاعدة وطالبان أنشأت حالة جديدة تحتاج الوكالات الاستخبارية إلى وقت ليس قصيرا لتعقب الشبكات الجديدة الناشئة عنها وإنشاء بنية تحتية جديدة مختلفة عما درج عليه العمل في السنوات الخمس والعشرين الماضية.

صحيح أن الاستخبارات الباكستانية استطاعت اعتقال عدد من أهم قادة القاعدة في باكستان بعد تعقب المكالمات الهاتفية عبر الأقمار الصناعية، وسلمت باكستان مئات من مقاتلي القاعدة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولكن ذلك لم يخفف من شكوك الأميركان ولا مطالبهم المتوالية والمعقدة، ولكن شبكة القاعدة استمرت في العمل في باكستان رغم الضربات القوية التي تعرضت لها، فقد اختفى المقاتلون واندمجوا في المدن الباكستانية، وأصبحت عمليات القاعدة لا مركزية.

وبدأت الأجهزة الاستخبارية الأميركية تعتقد بوجود بن لادن في باكستان، وكانت الإدارة الأميركية ترى أن برويز مشرف غير مستعد للمخاطرة بحياته وبمستقبله في التعاون التام المفضي إلى اعتقال بن لادن الذي يعتبره أكثر الشعب الباكستاني بطلا إسلاميا.

وقد كان احتمال اعتقال بن لادن حتى خارج باكستان في رأي المؤلف يشكل معضلة خطيرة لمشرف، فرغم أن اعتقاله سيزيد الدعم الأميركي للرئيس الباكستاني فإنه قد يؤدي إلى سخط شعبي واسع.

كان مشرف يكتفي بالإصرار على أن بن لادن غير موجود في الأراضي الباكستانية، بل إن مشرف قال في مقابلة صحافية مع مجلة تايم في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2005 إنه يفضل إلقاء القبض على بن لادن في مكان ما خارج باكستان، من قبل أشخاص آخرين.

ولكن برويز مشرف اتخذ تحت الضغط الأميركي المتزايد قرارا بهجوم واسع للجيش الباكستاني هو الأكبر على الإطلاق في فبراير/شباط 2004 على المناطق القبلية في وزيرستان الحدودية بعدما هددت الولايات المتحدة بأن قواتها ستقوم بالهجوم منفردة إذا لم تتعاون السلطات الباكستانية مع المعلومات الاستخبارية لديها.

وهكذا فقد أدخل مشرف نظامه في صراع مع القبائل نفسها هذه المرة، وصار عليه أن يواجه بالإضافة إلى الجماعات المتشددة الباكستانية والجماعات الوافدة إلى باكستان من أفغانستان القبائل البشتونية على امتداد الحدود الباكستانية الأفغانية وهي بالطبع حرب معقدة ومكلفة، وليس من السهل بل يكاد يكون مستحيلا على مشرف الانتصار فيها.

التعليق