محمد أبو رمان

السلفية والسلفيون

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

أثار مقال "حول (الفساد) السلفي" الذي نشرتُه مؤخراً في "الغد" ردود فعل متعددة وكثيرة، بالتحديد داخل الأوساط السلفية، التي فيما يبدو أنّها تمرّ في مرحلة مخاض وأزمة داخلية ناجمة عن الخلافات بين قياداتها والاتهامات التي صدرت حول "الفساد المالي"، وقد حاولنا نشر بعض من "الردود السلفية" على المقال، بخاصة الردّ "غير المباشر" للأخ علي الحلبي، احدى القيادات العلمية للدعوة السلفية في الأردن، واستثنينا ردوداً أخرى، نظراً لتشابه الموضوع.

في الحقيقة، لم يأت في مقالي أنّ هنالك "فساداً". إنما طالبتُ بتحقيق الجهات المختصة في الدولة حول ما ينشر داخل "السلفية التقليدية" نفسها، من بعض قادتها المطلعين حول المخالفات المالية الكبيرة. بخاصة أنّ هذه الخلافات تفجّرت علناً، ونُقلت على مواقع الانترنت.

فنحن أمام قضية ذات شقين؛ الأول يتعلّق بالعمل الديني الخيري والتطوعي، وسمعته ومصداقيته، التي يجب أن تبقى واضحة، بعيداً عن الإشاعات أو الدعاوى المتبادلة. أمّا الشق الثاني فهو قانوني يرتبط بمؤسسات المجتمع المدني وضرورة خضوع أموالها لرقابة الجهات المعنية، بخاصة التمويل القادم من الخارج على أنشطة يفترض أنّها غير ربحية وأنها تطوعية وخيرية، هذا أسوة بما حدث مع ملف الجمعيات الخيرية خلال المرحلة القريبة السابقة.

في مضمون "الردود السلفية" هنالك ملاحظات يمكن أن نعلّق عليها بإيجاز..

أولا؛ ركزت الردود على عدم جواز إدخال التيار "التكفيري" في خارطة الجماعات والحركات السلفية، لأنّه "لا يعبر عن الخطاب السلفي". وهذه دعوى "السلفية التقليدية"، لكن "السلفيات" الأخرى تعتقد أنّها هي "الممثل الشرعي" للسلف الصالح. لذلك القاعدة التي يتعامل من خلالها الكُتّاب والباحثون هي "لا مشاحة في الاصطلاح" ما دام أنّ الباحث قد وضح مضمون ومفهوم ما يقصد في كل مصطلح.

وكلٌّ يجد له في الأدبيات والتراث السلفي ما يؤيد دعوته، حتى ابن تيمية ذاته الذي (تدرّعت) به "الردود السلفية"، وأخذت موقفه بعدم الخروج على "الحاكم" حتى لو كان ظالماً، فإنّ الرجل نفسه (أي ابن تيمية) يمثل مرجعاً رئيساً لـ"السلفية الجهادية" (أو التكفيريين) بخاصة فتواه حول "الياسق" أو "الطائفة الممتنعة" أو غيرها من أحكام، ولا يخرج بالمناسبة مؤسس الدعوة السلفية الحديثة نفسه، محمد بن عبد الوهاب، عن "النزاعات السلفية"، إذ كلٌّ يدّعي "وصلاً بليلى".

فالمُساءلة الفكرية والسياسية ليست مرتبطة بالخلاف على "العنوان"، إنما حول المضمون والمرجعية المعرفية والخطاب السياسي والإصلاحي. ومن المعروف أنّ السلفية المعاصرة قد مرّت بمراحل تاريخية متعددة، واكتسبت عناوين ومضامين متباينة، كما هي الحال في "السلفية الوطنية" (ابن باديس، ابن عاشور..) والسلفية الإصلاحية (رشيد رضا). أمّا في الوقت الحاضر فيصعب حصر خارطة المدارس والرؤى السلفية بصورة دقيقة ومحكمة تماماً؛ فهنالك مدارس متعددة في السعودية والخليج والمنطقة متباينة في تفاصيل خطابها الإصلاحي وأدوارها السياسية والاجتماعية، لذلك نلجأ لتصنيف شديد العمومية يضعها في ثلاثة نماذج عامة، وفقاً لمعايير معيّنة؛ أبرزها معيار الموقف من السلطة وملامح الخطاب السياسي، فالنموذج الأول هو التقليدي (موالٍ للسلطة في خطابه السياسي، لا توجد له ممارسة سياسية مباشرة)، الجهادي (معاد للسلطة وللديمقراطية والدساتير، يمثل الإطار الفكري والمرجعي لمجموعات القاعدة الجديدة)، الإصلاحي (يمارس العمل السياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، علاقته بالسلطة مرتبطة بمطالبه السياسية) والنموذج الأخير يشهد تحولات مستمرة وتذبذباً في نشاطه العام ومواقفه السياسية.

ثانياً؛ أصرّت أكثر "الردود السلفية" على أنّ خطاب "التقليديين" السياسي يقوم على طاعة ولي الأمر، ورفض المعارضة والحزبية ونبذ التعددية السياسية الحالية، واعتبار الديمقراطية "أكذوبة غربية"..الخ، وهو خطاب يتضمن - بوضوح- تضليلاً للجماعات الإسلامية والأحزاب السياسية التي تمارس المعارضة وتتخذ مواقف سياسية واضحة تجاه العديد من السياسات الرسمية.

هذا الخطاب هو الوجه الآخر لخطاب "الجهاديين" السياسي. لكن مع فارق أنّ الجهاديين يكفرون بكافة مضامين الحياة السياسية العربية ويسمونها بالضلال والردّة، بينما "التقليديون" يخرجون السلطة السياسية من هذا التوصيف، ويمنحونها الشرعية، وحيدةً، دون الأحزاب والقوى السياسية المشكّلة للحياة السياسية!

وإذا ما قارنّا هذا الخطاب السياسي بخطاب جماعة الإخوان، على سبيل المثال، لوجدنا أنّ الخطاب الإخواني متطور، وأكثر حداثة ومعاصرة وواقعية، مع التحفظ أيضاً على "المناطق الرمادية" في الخطاب الإخواني المشرقي.

فمن موقع الرصد الفكري والسياسي للتيارات الإسلامية؛ إذا خضعنا للمقاربة الأمنية على المدى القصير فإنّ كفة التيار التقليدي ترجح، وهنالك – بمناسبة الحديث- توصية لمؤسسة راند (قبل سنوات) تتبنّاها الدوائر الرسمية العربية تطالب بدعم التيارات التقليدية ضد "الجهادية". أمّا إذا خضعنا إلى المقاربة الفكرية والسياسية الإصلاحية (دفع العملية السياسية إلى الأمام) فإنّ كفة جماعات "الإسلام السياسي" (الإخوان والحركات التي تمارس اللعبة السياسية) تنجح بامتياز، وتدفع إلى إدماج هذه الحركات في اللعبة السياسية، لحثِّها على مزيد من الواقعية والاعتدال وتوطين الخطاب.

تكمن المعضلة الرئيسة في خطاب "السلفية التقليدية" السياسي أنه خطاب "قروسطي" يضفي القداسة والهالة على السلطة السياسية، ويستدعي أحكاماً ومقولات تراثية بعيداً عن الواقع السياسي وعن مقاصد الشريعة في التعامل مع السلطة. وإلاّ فالإسلام لم يأت ليضع المواطن تحت رحمة حاكم أو سلطة ويُلزمه أن يكون أسيراً لها، رهناً لما تريد، بل مقصد الإسلام وفلسفته وروحه تقوم على تحرير الإنسان وتعزيز قيم العدالة والمساواة والحرية الإنسانية في أعلى مستوياتها.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موجز وبليغ (رياض النجادا)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.
    اجزت فابلغت، اعجبني عمق التحليل فلقد احطت جوانبه كاملة"فالمُساءلة الفكرية والسياسية ليست مرتبطة بالخلاف على "العنوان"، إنما حول المضمون والمرجعية المعرفية والخطاب السياسي والإصلاحي. "