محمد أبو رمان

العراق بين التقسيم والفوضى!

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

قرار الكونغرس الأميركي باعتماد مشروع تقسيم العراق هو تكريس لرؤية اتجاه عريض من السياسيين والاستراتيجيين الأميركيين الذين نادوا منذ شهور طويلة بضرورة تقسيم العراق إلى ثلاث فدراليات رئيسة، في مقدمة هؤلاء السياسيين وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، وعدد من القياديين الديمقراطيين، وكان ولا يزال يقود الدعوة إلى تبني هذا الخيار النائب الديمقراطي جوزيف بيدين.

الأهمية الحقيقية لقرار الكونغرس تكمن في أنه بمثابة الوثيقة الرسمية الأولى التي تصدر عن إحدى أبرز مؤسسات صنع القرار في واشنطن وتتبنى بوضوح مشروع تقسيم العراق.إلاّ أنّ ما يقوم به العراقيون أنفسهم – للأسف الشديد- قد سبق قرار الكونغرس بمسافات شاسعة،فلم يعد على أرض الواقع ما يمكن أن نطلق عليه فعلاً عراقاً موحدّاً،وإنما مناطق نفوذ وصراع سياسي وطائفي وتقسيم قائم بين الأقاليم الثلاثة الرئيسة،وإن كان حسم وضع بغداد هو نقطة الصراع الحقيقية اليوم. وفيما لو ترك المجال للجماعات المسلّحة المتقابلة فإنّ معركة بغداد المنتظرة ستكون في غاية البشاعة والقسوة،بلا أية خطوط حمراء أو محرمات دينية أو وطنية.

وفي دراسة نشرت حديثاً بعنوان "العراق..التقسيم السلس" لكل من ادوارد جوزيف ومايكل أوهانلون، عن مركز سابان التابع لمعهد بروكنجز، دافعت الدراسة عن خيار تقسيم العراق، للخروج من ورطة الأميركيين ومن متاهة الحرب الأهلية، وتناولت الدراسة السيناريوهات والإشكاليات المطروحة في سياق عملية التقسيم وتداعياتها،ما يؤكد أنّ القضية لم تعد، فقط، طرحاً نظرياً، بل أصبحت أحد السيناريوهات المفضلة لدى تيار واسع من السياسيين والاستراتيجيين الأميركيين.

يجادل ريتشارد كوهين في مقاله بصحيفة واشنطن بوسط عن إمكانية تقسيم العراق فعلاً، مدللاً بتجارب العديد من الدول التي قسّمت خلال السنوات القليلة الماضية في مقدمتها يوغسلافيا السابقة وقبل ذلك الهند. وقد كان يجادل فريق من المحللين أنّ تقسيم يوغسلافيا مسألة في غاية الصعوبة، وأنّ نسبة المصاهرة والعلاقات الاجتماعية بين المسلمين والمسيحيين في البوسنة وغيرها مرتفعة،لكن ما أن حلّت روح الصراع الديني والإثني حتى تحوّلت تلك العلاقات الاجتماعية إلى كوارث حقيقية من خلال حالات الطلاق والنزوح والقتل والثأر.

وما ذكره(كوهين) ليس بعيداً – في الواقع- عما يجري في العراق؛ فعلاقات المصاهرة والنسب الاجتماعي بين السنة والشيعة تحديداً تتعرّض حالياً لنكسة حقيقية،وهنالك حالات طلاق عديدة وتصفيات متبادلة تقضي على أواصر القرابة والمصاهرة الاجتماعية. فضلاً عن إعادة توزيع السكان حسب المناطق، من خلال عمليات التطهير الطائفي المباشرة (القتل والتهديد والتهجير) أو غير المباشرة(شراء المنازل والأراضي من أبناء الطائفة الأخرى بأسعار مرتفعة)وإذا ما استمر معدل التطهير الطائفي على ما هو عليه، فلن نحتاج إلا إلى وقت قليل حتى تكون "الحدود الطائفية" واضحة وصارمة.

ما هو أسوأ من قرار الكونغرس ومن التقسيم الجغرافي الجاري هو التقسيم بين العقول والقلوب واختفاء ملامح الوطنية العراقية تماماً تحت وطأة الصراع المذهبي وسيادة خطاب تكفيري دموي متبادل، وانعدام الثقة بين الطوائف والفئات المختلفة.ما يعني أنّنا أمام واقع يسير بخطى أسرع بمسافات طويلة ما يخطط له الديمقراطيون في الكونغرس ويتوعدون به في حال خسر الجمهوريون البيت الأبيض قريباً، أو ثبت بالوجه القطعي فشل استراتيجيات وتصورات المحافظين الجدد الحالية.

دعم حكومة المالكي يكاد يكون الورقة الأخيرة في جعبة بوش، ولا يبدو أنّ هنالك في الأفق أي أمل بنجاح العملية السياسية، بخاصة بعد انسحاب جبهة التوافق وإحباط الطوائف المختلفة مما وصلت إليه الأوضاع السياسية. أمّا ما يقال عن العودة إلى "إياد علاّوي" أو الاستعانة بشخصية قوية تضع حدّاً للنزاع الداخلي والطائفي، فلا يعدو أن يكون فزّاعة أو أوهام جديدة لدى تيار من المحافظين الجدد، فلا القوى الشيعية- الدينية المهيمنة على المؤسسات السياسية والأمنية ستسمح بذلك ولا إيران.

على الجهة المقابلة؛ فإنّ الوقت يمر سريعاً وينسل معه ما تبقى من خيوط المبادرة الأميركية، ليصل الأمر إلى أن يصبح خيار التقسيم البديل الوحيد لتجنب حرب أهلية طاحنة، فتبدأ المفاوضات حول الحدود والثروة والسلطات في كونفدراية(أو فدرالية) وهمية تمثل الاسم الحركي للتقسيم وإرهاصات تشكّل الدول الناشئة الجديدة.

من الملاحظات المهمة التي يشير إليها الخبير الأميركي أنتوني كوردسمان أنّ من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي وقعت بها الإدارة الأميركية التقليل من شأن اللاعبين الآخرين في تحديد مستقبل العراق،في حين أنّ ما يجري في الواقع يثبت بصورة واضحة وأكيدة أنّ الإدارة الأميركية ليست هي من يحدد اليوم مستقبل العراق.

وبالعودة إلى المواقف السياسية للقوى الرئيسة؛ فإنّ الرغبة المعلنة أو المستبطنة لدى كل من الشيعة والأكراد تتمثل بالانفصال والاستقلال والاستيلاء على المناطق التي تسيطر عليها في العراق،وتشير استطلاعات الرأي إلى تزايد ملحوظ في نسبة من يرغبون بالتقسيم من العراقيين، بصورة خاصة لدى الشيعة والأكراد.

ربما الطرف الوحيد الذي يقاوم هذا الخيار هم العرب السنة لأسباب رئيسة منها ما هو استراتيجي يرتبط بفقر المناطق السنية للثروات النفطية والطبيعية، ومنها أنّ العرب السنة، الذين شكلوا عماد النظام السابق والقاعدة الرئيسة للطبقة الوسطى، لا يزالون يمسكون بمشاعر الوحدة والخوف من التقسيم على مستقبل البلاد، لكن هذا لا يمثل موقف القوى السنية جميعها، فالقاعدة، وهي اليوم من أكبر وأقوى الفصائل المسلحة، أعلنت عن قيام دولتها في مناطق من غرب ووسط العراق، ودخلت في صراع نفوذ مع القوى المسلحة الأخرى.

التباكي العربي على "وحدة العراق" لا يكاد يعني شيئاً اليوم، ومجريات الواقع تمضي سريعاً باتجاه اختفاء العراق وتحوله إلى كيانات طائفية متحاربة ومتصارعة، تخلق في المشهد العربي إرهاصات حقيقية لما هو أسوأ من الدولة القطرية أي"الطائفية"، فهل لا يزال هنالك من يعتقد أنّ مشروع تقسيم المنطقة وتفتيتها لا يمكن تحقيقه؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق