إسرائيل وبورما

تم نشره في الثلاثاء 16 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

كان اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بتغطية الأحداث الأخيرة في دولة بورما، حيث تم قمع المظاهرات وذبح المئات في الشوارع، كبيرا جدا إلى درجة مثيرة، خاصة حينما تصدرت هذه الأنباء الصفحات الأولى لكبرى الصحف الإسرائيلية، التي حاولت إرسال مراسليها إلى هناك، إضافة إلى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

وللوهلة الأولى كان الاعتقاد بأن هذا يندرج في محاولات الإعلام الإسرائيلي التشبث بأي حدث عالمي يُبعد الجرائم الإسرائيلية اليومية عن صدارة الإعلام المحلي والعالمي، إلى أن نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يوم الجمعة الماضي، تقريرا موسعا حول العلاقات العسكرية والتجارية المتشعبة بين إسرائيل بورما، وصلت إلى حد تدريب جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، "الموساد"، لأجهزة المخابرات البورمية.

وتخضع بورما منذ عشرات السنوات لنظام عسكري دموي، وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة لم تفرض مقاطعة اقتصادية وغيرها على بورما، إلا أن غالبية الدول الصناعية المتطورة في العالم بادرت لمقاطعتها، مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان واستراليا وغيرها.

وتقول تقارير حقوقية دولية إن النظام العسكري في بورما ينتهك ابسط حقوق الإنسان، ويمارس أعمال السخرة (دون مقابل)، ولا يمكن تمرير أية صفقات تجارية مع الخارج، دون حصول قادة الحكم على حصتهم منها، وغيرها من أساليب الاستبداد والقمع.

وأمام مشهد كهذا، فإن إسرائيل ترى فيه فرصة مناسبة لها لبسط نفوذها، وتغلغلها العسكري والتجاري، تماما كما فعلت في دول مماثلة مثل جنوب أفريقيا السابقة في عهد نظام الأبرتهايد العنصري، وغيرها.

ويستند تقرير "معاريف"، إلى تقرير عسكري سابق نشرته المجلة العسكرية البريطانية "جينز انتيلجنس ريفيو" يسلط الضوء على تشعب العلاقات العسكرية بين إسرائيل وبورما منذ سنوات الخمسين، حين زارت بعثة عسكرية إسرائيلية في العام 1954، وبعد تلك الزيارة بعام باعت إسرائيل لبورما طائرات عسكرية مستعملة من نوع سبيتبيير.

ولكن هذه الاتصالات تكثفت بالذات بعد الانقلاب العسكري الدموي الذي وقع في العام 1962 وبشكل خاص منذ نهاية سنوات الثمانين من القرن الماضي، حسب تقرير عسكري لمعهد "سيفري".

فالصناعات العسكرية الاسرائيلية زودت النظام في بورما بأجهزة ومعدات قتالية وأسلحة خفيفة على مدى عشرات السنوات.

ويؤكد معهد "سيفري" أن إسرائيل هي من بين بضعة دول واصلت بيع الأسلحة للنظام العسكري في بورما، ففي العام 1989 وصلت إلى بورما سفينة محملة بأسلحة إسرائيلية من بينها بنادق مضادة للدبابات وقاذفات قنابل "آر بي جي"، ويقول التقرير إنها أسلحة صادرها جيش الاحتلال الإسرائيلي من المقاومة الفلسطينية في الحرب على لبنان، التي اندلعت في صيف العام 1982.

كذلك فإن بعثة عسكرية إسرائيلية وقعت في العام 1991 على اتفاق مع بورما يقضي ببيع إسرائيل لبورما بنادق رشاشة إسرائيلية الصنع من طراز "عوزي"، وهي البنادق التي تحملها فرق حراسة الشخصيات العسكرية في بورما.

ويقول تقرير "جينز انتيلجنس ريفيو" إن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الخارجية "الموساد" أجرى تدريبات لجهاز المخابرات البورمي، و"قدم له مساعدات بطرق مختلفة"، دون توضيح لطبيعة تلك المساعدات، إلا أن من بينها تدريب فرق حراسة الشخصيات ووحدات القمع.

كذلك فإنه في العام 1997 فازت شركة "إلبيط" الإسرائيلية للصناعات الجوية العسكرية، باتفاق لتطوير طائرات عسكرية من نوع "إف 7" لدى الجيش البورمي، كما باعت إسرائيل لبورما قنابل يتم توجيهها عبر الليزر، وشاركت شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية في عمليات تطوير سفن حربية، من خلال تقديم معدات تكنولوجية لتلك السفن.

ويشير التقرير إلى أن بورما ليست دولة مهددة من الخارج، ولهذا فإن كل معداتها وأسلحتها ليست بالضرورة دفاعية بقدر ما هي لدعم النظام أمام الشعب البورمي، الذي يبلغ تعداده 56 مليون نسمة.

أما بشأن العلاقات التجارية، فإن تقرير "معاريف" الموسع يسلط الضوء على حجمها الكبير، وحتى يؤكد بشكل غير مباشر على علاقة رجال الأعمال الإسرائيليين بقادة الحكم في بورما، خاصة حين يتحدث احدهم بحرارة مدافعا عن النظام هناك.

وهذه المعلومات يجب أن لا تثير الدهشة، فإسرائيل ليست بحال أفضل، "ويساعدنا" في ذلك، رئيس بورصة الأحجار الكريمة في إسرائيل، شلومو أشيد، الذي "سعى" إلى تخفيف دهشة الصحفية التي أعدت التقرير من التعامل التجاري مع بورما التي تخرق حقوق الإنسان، ويسأل أشيد الصحفية "المندهشة" قائلا: "أيضا في البلاد (إسرائيل) يخرقون حقوق الإنسان وأنتِ تعيشين هنا، ألا يقلقكِ هذا؟!".

لقد وجدت إسرائيل طوال الوقت انسجاما مع دول وأنظمة ترتكب جرائم بحق الإنسانية، فهي التي كانت متنفس نظام الأبرتهايد العنصري في جنوب أفريقيا، في أوج المقاطعة الدولية له، وكم من مرة إتضح أن "شركات" إسرائيلية ذات طابع عسكري متورطة في حروب عصابات في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

فالكثير من جنرالات الحرب الإسرائيليين يبادرون لإقامة شركات ذات طابع عسكري وأمني تبيع خدمات التدريب والتسلح لكل من يعرض المال، بدءا من عصابات وكارتيلات المخدرات في كولومبيا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية، وحتى دعم أنظمة استبدادية في أفريقيا وآسيا.

وقد دلت سلسلة من التقارير على أن هذه الشركات تعمل بمعرفة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي تسارع للتنكر لها، كلما وقعت إحداها في ورطة أو تم الكشف عنها، وتستغل إسرائيل مثل هذه الشركات من أجل نشر حضورها في الكثير من الدول، إضافة إلى فتح أسواق هذه الدول أمام الصناعات الإسرائيلية، وبشكل خاص الصناعات العسكرية، التي تشكل ما بين 20% إلى 25% من الناتج القومي في إسرائيل المقدر بحوالي 175 مليار دولار في العام الجاري.

إن الفرق بين بورما وإسرائيل، هو أن نظام بورما يقتل شعبه بوسائل بدائية ولا يوجد لهذا النظام قوة عالمية داعمة، أما إسرائيل فإنها تقتل شعبا بأكمله، بأحدث الوسائل التقنية العصرية، وتحظى بدعم القوة العالمية الأكبر.

كاتب وصحافي من الناصرة

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لن يخدعوا كل الناس كل الوقت (د.هاني عبد الحميد)

    الثلاثاء 16 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    ان الكيانات العنصرية القمعية في هذا العالم ومهما عظم شأنها وتعددت اشكالها والوانها ومهما توفرت لها من عناصر قوة مادية متطورة فهي لا محالة الى زوال وهم يعلمون ذلك ومن له كتب سماوية منهم يستطيع قراتها بلغة قومه ومن يقرأ التاريخ يستطيع ان يرسم خارطة طريق لا تبدأ بهولاكو التتري ولا تنتهي بهتلر النازي شاملة اشباه الرجال الذين يظهرون ويزولون بسرعة قياسا بعمر الزمان الذي يلفظ كل ما ليس له صلة بالانسانية والخلق والدين والعدالة والحق والى مزابل التاريخ والتي ديدنها وعلى الدوام هل من مزيد وبئس المصير فلا يخدعن احد نفسه بانه استطاع خداع كل البشر بعض الوقت فالحقيقة لا بد ان تعلو رغم كل اساليب النفاق والمافيات والشياطين البراقة والتي تغوي ضعاف النفوس فقط وفي شتى العصور والعاقبة اخيرا للمتقين الذين سيحققون العدالة لا محالة ويخلصوا هذا العالم من شرور الفئات الباغية ويحققوا العدل والسلام وذلك وعد من الله بشر به الجمع من رسله الكرام في كتبه السماوية والتي لا ينكرها عاقل.