إبراهيم غرايبة

ألمانيا والولايات المتحدة

تم نشره في الاثنين 1 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

تمثل الولايات المتحدة الأميركية تحديا دائما للسياسة الألمانية والعكس صحيح أيضا، فالدولتان برغم التحالف الإستراتيجي بينهما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تتبادلان الحذر والشك والذاكرة التاريخية المشحونة، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في كتاب شرويدر، المستشار السابق للجمهورية الألمانية في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان "قرارات مصيرية" وإن لم يصرح بذلك أبدا، بل ولم يفرد للولايات المتحدة جزءا مستقلا في الكتاب، ولكن يلاحظ في قراءة الكتاب تأكيد مستمر للتذمر الألماني من السياسات الأميركية والنقد المتواصل من قبل شرويدر للولايات المتحدة، فهو يعتقد أن الولايات المتحدة لم تحدد بعد الأسلوب الذي تود اتباعه مع الاتحاد الأوروبي، فمن حين إلى آخر تستثير الولايات المتحدة الهمم الأوروبية للعمل نحو قدر أكبر من الاستقلالية وإقامة شراكة تقوم على القيم المشتركة، ولكن كما يقول شرويدر فإنه عندما نصبح فعلا بصدد تحقيق استقلالية أوروبية أكبر تسعى الولايات المتحدة إلى تأخيرها.

ويعرض شرويدر أمثلة عديدة على موقف الولايات المتحدة في هذا المجال، منها موقف الولايات المتحدة من إعلان وزراء الخارجية والدفاع الأوروبيين في العام 2000 عن عزمهم بعد تجربة حرب كوسوفو على تشكيل قوات للتدخل السريع خلال ثلاث سنوات تتألف من مائة ألف جندي على الأقل، وتتمتع بالقدرة الكاملة على التصرف، لقد قوبل هذا القرار بتحذير قوي من جانب الولايات المتحدة التي اعتبرته محاولة لزعزعة سلطة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويعتقد شرويدر أن بعض القادة السياسيين الأميركيين يفضلون قارة أوروبية متشرذمة من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة، فمبدأ فرق تسد يسري من وجهة نظر واشنطن على التعامل مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما كانت عليه الحال سواء في فترة حكم كلينتون أو جورج بوش، ولا يقتصر تطبيق هذا المبدأ على المجال العسكري فقط، إنما يشمل أيضا السياسات الاقتصادية والتجارية، فمنذ انتهاء الحرب الباردة تزداد هيمنة المصالح الأميركية على العلاقات الأميركية الأوروبية، الأمر الذي ولد الانطباع بأن الرؤيتين الأميركية والأوروبية إلى العالم قد وصلتا إلى مفترق طرق، وهو ما يتجلى في كيفية تعامل كل منهما مع الإرهاب والقضايا الحقوقية والدولية والمحكمة الدولية في لاهاي وقضية حماية البيئة.

يقول شرويدر إن الولايات المتحدة لا تقيم لمجلس الوحدة الأوروبية وزنا، وهو وزر يتحمل برأيه الأوروبيون جزءا منه، إذ ما يزال في إمكان واشنطن الاعتماد على إحياء مشاعر الزهو والتفاخر في العواصم الأوروبية، كما يمكن لها أن تتكل على ما يربطها ببريطانيا من علاقات خاصة ومميزة، وهو يفسر عدم وجود دعم بريطاني مستمر يصاحب المبادرة التي قام بها بلير في بورتشاخ، فبمجرد أن أبدى "الأصدقاء" الأميركيون عدم استحسانهم للمبادرة خمد طموح الحكومة البريطانية في بناء هوية أمنية أوروبية.

وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول بدأت الهوة تتسع بين ألمانيا وأوروبا وبين الولايات المتحدة برغم الموقف الأوروبي المتضامن مع الولايات المتحدة في التصدي للإرهاب وفي تأييدها في الهجوم الذي تعرضت له وفي عمليات الحرب على أفغانستان، ولكن شرويدر يعتقد أننا بحاجة إلى تأكيد علاقة نظام صدام حسين بالإرهاب على النحو الذي اتضحت فيه العلاقة بين القاعدة ونظام طالبان، ويقول شرويدر بأنه في أوائل العام 2000 تحولت على نحو غير مفهوم الأولويات الأميركية من محاربة الإرهاب إلى مسألة أسلحة الدمار الشامل.

ويعتقد شرويدر أن الولايات المتحدة الأميركية جازفت بسمعتها العالمية وأن بولن كاول وزير الخارجية الأميركية السابق قام بخداع مجلس الأمن، وقدم معلومات غير جدية أو مغلوطة عن علاقة العراق بتنظيم القاعدة ومختبرات متحركة لإنتاج الغازات السامة تم الحصول عليها من قبل مخبرين وعملاء كانت لهم رغبة في إشعال الحرب.

[email protected]

التعليق