محمد أبو رمان

مؤتمر "السلام" وأوراق الخريف

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

ترى الحكومات العربية أنّ الأثار السلبية المترتبة على فشل مؤتمر "الخريف"، الذي دعا إليه الرئيس بوش، ستكون وخيمة كثيراً، إذا لم يؤد هذا المؤتمر لتحقيق قفزات كبيرة تشكل اختراقاً لحالة الجمود والفشل الذي وصلت إليه العملية "السلمية". فوفقاً للحكومات العربية فإنّ فشل المؤتمر سيطلق العنان لقوى راديكالية معادية لإسرائيل وأميركا ولسياسات الدول العربية بهذا الاتجاه.

الاتجاه العام يتوقع فشل المؤتمر في تحقيق أي نجاح يذكر؛ إذ إنّ الظروف الإقليمية والداخلية (لدى كل طرف) تُشكّل عوامل إفشال لأي أفق للعملية "السلمية". فالطرف الفلسطيني يعاني من حالة انقسام وانشطار سياسي- جغرافي كبير، يجعل من حلم إقامة دولة فلسطينية على أراضي عام 1967 بعيد المنال، ويضعف من موقفه وموقف الدول العربية بالمطالبة بتسليم أزمة السلطة والسيادة للفلسطينين.

الحال لا تختلف كثيراً على الطرف الإسرائيلي فهنالك صراع داخلي حاد، حتى بعد دخول باراك الوزارة، وتشير تقارير أنّ تسكين الصراع الداخلي الإسرائيلي تمّ بطلب أميركي في هذه اللحظة الحرجة. وإذا كان البعض يجادل أنّ "إسرائيل" حققت تقدما ملموساً في عملية "التسوية" في لحظات الاستقطاب والاختلاف الداخلي، فإنّ ذلك حدث عندما كان يتولى منصب رئيس الوزراء شخصية كارزمية تحظى بنفوذ سياسي وقاعدة جماهيرية، ما لا ينطبق على شخصية أولمرت اليوم. ويكفي لقراءة حجم الأزمة الداخلية وانعكاساتها على الموقف الإسرائيلي من التسوية ملاحظة أنّ تصريح أولمرت قبل أيام أنّ مقولة "غياب الشريك الفلسطيني" قد انتهت، قوبل (هذا التصريح) بتشكيك ورفض من قبل باراك وهو من أعمدة حكومة أولمرت.

من ناحية أخرى؛ فإنّ هنالك عدم حسم اتجاه المشاركة السورية في المؤتمر. فبالعودة إلى المبادرة العربية، التي أقرّتها قمة الرياض، فإنّ الحديث عن كامل الأراضي العربية عام 1967، يتضمن الجولان، في حين أنّ العلاقة بين سورية وكل من إسرائيل وأميركا تشهد توتراً، وهي الحال ذاتها بين سورية والعديد من الدول العربية (أو ما يسمى بمعسكر الاعتدال). وبدلاً من وضع الجولان على أجندة مطالب العرب ونقاشات المؤتمر، يجري الحديث حالياً عن إقحام الشأن الداخلي اللبناني في مداولات المؤتمر، ما يحرفه عن الهدف المفترض له وهو "التسوية السلمية"، ويدفع إلى قناعة مؤداها أنه أقرب إلى ترتيب أوراق بين معسكر الاعتدال العربي وبين الولايات المتحدة وإسرائيل في سياق حالة الإحماء الإقليمي لمواجهة المحور السوري- الإيراني!

على الجهة المقابلة؛ يرى عدد من السياسيين والمحللين العرب أنّ مؤتمر السلام القادم يمتلك شروطاً كبيرة للإنجاز، ويُعدّ فرصة ثمينة لتحقيق تقدم ملموس في هذا الاتجاه؛ فأولا هنالك إصرار أميركي كبير على إنجاح المؤتمر وتحقيق تفاهمات كبيرة، قد لا تكون نهائية، لكنها "تاريخية"؛ فالرئيس بوش – من ناحية- يريد أن ينهي رئاسته بعمل تاريخي حقيقي، يعوّض فيه الفشل الكبير في العراق. ومن ناحية أخرى؛ فإنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان كشفت سقوطاً مدوياً لنظرية الردع، وحدّت من الدعاية العالمية حول قدرة إسرائيل العسكرية، بخاصة مع بروز حركات إسلامية- محاربة أعادت إنتاج حسابات وقواعد اللعبة العسكرية في المنطقة.

 

ويرى المتفائلون أنّ استيلاء حماس على غزة يعزّز من فرصة التسوية لدى الجانب الإسرائيلي الذي يجد نفسه الآن أمام "شريك" فلسطيني – متمثلاً بالرئيس عباس- يقبل بكافة الاتفاقيات ولديه مرونة كبيرة، ومستعد لقطع مسافة كبيرة للأمام باتجاه التوافق على شروط إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

في هذا السياق يُطرح سؤال رئيس: هل دعا الرئيس بوش إلى المؤتمر من دون وجود تصورات لما سيخرج به، بخاصة أن فشله ليس في صالح الولايات المتحدة وحلفائها؟ الطرف المتفائل يؤكد أنّ لدى الطرف الأميركي أجندة واضحة وأنّه سيدفع باتجاه تحقيقها. لكن المؤشرات الحالية كافة تدل على أنّ التوافق لا يزال بعيداً بين الطرفين، بل هنالك تخوفات كبيرة من قبل الدول العربية والفلسطينيين تظهر من خلال التأكيد على ضرورة "التحضير الجيد" للمؤتمر، في حين لا توجد أية إشارات من الطرف الإسرائيلي على استعداده لتقديم تنازلات حقيقية مؤلمة.

ما يتم تسريبه إلى الآن مقلق؛ فالحديث عن سيناريو "الضفة أولا" وعن وضع المناطق المقدسة في القدس تحت إدارة دولية، وحول تسوية قضية اللاجئين، كلها عناوين توحي أنّ المخرجات ستكون على حساب الطرف العربي وحده فقط، الذي يأتي إلى المؤتمر خالي الوفاض من أية أوراق قوة، بل وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن تفاهمات أولية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تُعلن "إسرائيل" بتأييد أميركي غزة "كيانا معاديا" ما يؤكد الانقسام الداخلي الفلسطيني ويُضعف الموقف العربي.

التعليق