اللهاث المستمر وراء السراب

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

للمرة السادسة جاءت وزيرة الخارجية الاميركية للمنطقة ولم تأت بجديد.وغادرت المنطقة بعد الجولة المعتادة بين القدس ورام الله، ولقاء اولمرت ولفني في جانب،وعباس وفياض في الجانب الآخر. لتوخي الدقة والموضوعية: لم تكن هذه الزيارة تكرارا مطابعا لما سبقها:هذه المرة التقت السيدة رايس مع رئيس دولة اسرائيل شمعون بيريس، بالرغم من ان رئيس الدولة لا يتدخل عادة في الشؤون السياسية للسلطة التنفيذية. لكن، وبالنظر لما عرف عن بيريس من انه رجل اعتدال وسلام فقد استحق هذا اللقاء، الذي خرجت منه الزائرة باختراق كبير؛ فقد بشرت بأنها لمست رغبة أكيدة عند الاسرائيليين بالسلام مع الفلسطينيين، وانها متيقنة أن الفلسطينيين يشاطرونهم هذه الرغبة، ثم أكدت هي بدورها وجود رغبة مماثلة في واشنطن.

اذن رايس اكدت المؤكد لمئات المرات من قبل، وتجنبت الحديث عن المحظور منذ تحولت عملية السلام برمتها الى ملهاة مملة وشعارات واهمة وكلام فارغ بكل معنى الكلمة، والمحظور هو ببساطة كيف سيتحقق هذا السلام الذي تتلهف الاطراف كلها،وواشنطن في مقدمتها، لبلوغه؟ومتى ستفرح المنطقة بهذا السلام المنتظر؟ ظل ذلك في عالم الغيب، بل في عالم الوهم والحلم والتمنيات.

تراكمت التساؤلات والشكوك باقتراب موعد "المؤتمر الدولي للسلام" الذي اعلن عنه الرئيس بوش منذ اشهر، والذي جاءت السيدة رايس للمنطقة من اجل التحضير له. اكثر التصريحات التي انطلقت من الجانب العربي طالبت بمؤتمر مثمر يبدأ بجدول اعمال واضح. ويستند في اعماله على برنامج حل شامل ونهائي مرتبط بجدول زمني.هكذا قرر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاخير في القاهرة، ان يكون المطلب هو دعوة جميع الاطراف.

فسورية التي هي طرف رئيسي في المشكلة، ولها ارض محتلة منذ اربعين عاما،مستبعدة عن مؤتمر الخريف.وكذلك لبنان. ولان للمؤتمر اهدافا مخفية، وهي كما يبدو الاهم؛ لأن الاهداف المعلنة وهمية وعائمة، ولا ارتباط لها بأي واقع،فغايته توسيع دائرة الدول التي لا يترتب على تطبيع علاقاتها مع اسرائيل اي ثمن:لا اعادة ارض ولا حقوق.

أما الرئيس عباس،وسلطته الوطنية، فقد ألح،وكرر الالحاح،أنه لن يقبل ببيانات سياسية عامة وغير محددة،ولن يكتفي بالاعلان عن النوايا،فمن وجهة نظره صدرت مئات الاعلانات والبيانات،ليس فقط دون ان تحرز اي تقدم، بل وأدت لمزيد من التراجع والتقهقر.وذهب البعض الى التهديد بعدم حضور المؤتمر إن لم يضمن مسبقا انه سينتهي ببرنامج للحل.

اما اولمرت فقد كرر نفس موقفه وموقف حكومته ايضا: لا دخول في التفاصيل، ولا اي بحث في قضايا المرحلة النهائية. كل ما لديه هو الاستعداد لبيان يتحدث عن التطلعات الغامضة المبهمة، مثل تحقيق رؤى الرئيس بوش بحل يقوم على اساس دولتين،وربما ستسمح بأن يضاف لذلك تسمية القضايا الاخرى دون اية اشارة او التزام بكيفية او بزمن الوصول للحل السرابي الموعود. ولقد كرر اولمرت استعداده لذكر، لمجرد ذكر، القضايا العالقة دون تجاوز ذلك. أليس هو، اولمرت، الذي يمسك بزمام المبادرة، وهو الذي يقرر، وقراره بالنتيجة هو الذي يعلو فوق كل التصريحات والتنبيهات والمطالبات الأخرى.

قبل أن تصل السيدة رايس لإسرائيل بساعات قررت إسرائيل اعتبار غزة منطقة معادية تمهيدا لقطع الكهرباء والماء وربما الهواء عنها وعن أهلها لمعاقبتهم على اكثر من جريمة، وإن كانت الجريمة المباشرة هي الصواريخ التي تبذل حماس كل جهد ممكن لوقف اطلاقها على اسرائيل.

وبعد وصول رايس بساعات أعلنت ان الولايات المتحدة ايضا تعتبر غزة منطقة معادية، انسجاما مع قرار اسرائيل.ذلك بعد ان كانت صرحت وهي في الطريق"انه يجب ان لا نتخلى عن اهل غزة"، تعليقا على القرار الاسرائيلي.ولكن ذلك تغير بعد وصولها في اتجاه التبني الكامل للموقف الاسرائيلي. أليست اسرائيل هي التي تقرر؟

لم يغير من الامر شيئا قول بان كي مون أن القرار الاسرائيلي هو انتهاك صارخ للقانون الدولي. ولم يغير من الامر شيئا ان غزة محاصرة برا وبحرا وجوا، منذ ان زعمت اسرائيل انها انسحبت منها. وحتى حدود غزة مع مصر مغلقة بالرغم من ان لا علاقة لاسرائيل بها جغرافيا، لكن اسرائيل قضت بذلك،أليست هي التي تقرر؟

كل "رش بدوره على الموت سكر" كما يقول المثل الشعبي. فلا السكر اعاد للميت حياته،ولا اصبح الموت حلوا برشه بالسكر.

بيريس اعلن من على منصته بجانب رايس انه ليس في مصلحة اسرائيل ولا الفلسطينيين ولا الاميركيين ان يفشلوا مؤتمر السلام.اذن هل سينجح؟

ورايس عبرت عن سعادتها البالغة لوجود فرق عمل من الجانبين موكل اليها ايجاد الحلول التي ستنجح المؤتمر،وأكدت ان ايجاد الحلول هي من مسؤولية الجانبين،وليست مسؤولية اميركا.هذه الفرق لم تجتمع بعد ولن تجد الحلول حتما وقطعا. فإسرائيل هي التي تقرر وهي تعلن بكل صوت عال انه لم يحن بعد وقت الحديث في الحلول.

ولكن رايس قالت ايضا انه ليس من المعقول أن تدعو واشنطن لمؤتمر دون ان تضمن له النجاح. فهي، اي واشنطن،كما قالت رايس لا تريد فرصة للصور،وليس لديها الوقت لذلك كونها منشغلة بقضايا اكثر اهمية.

أمّا عباس فقد غطى على الفشل بإصراره على التوصل لنتائج لإنهاء الاحتلال. وكأن أحدا يعير هذا القول اي اهتمام، ولكنه بشّر الشعب الفلسطيني أنه سيلتقي الرئيس بوش خلال انعقاد دورة الجمعية العامة للامم المتحدة هذا الشهر. ومن المؤكد انه سيحظى خلال اللقاء بالثناء العاطر على شخصيته "وسياسته الحكيمة" من رئيس اعظم دولة في العالم.كما انه سيعود بتأكيد من الرئيس بوش بضرورة قيام الدول...ودعونا من الحديث عن كيف ومتى، لان ذلك قد يفسد الفرحة.

لقد جاءت رايس وذهبت، وليس اكثر انطباقا على ذلك من المثل الشعبي ايضا "تيتي تيتي مثل ما رحت مثل ما جئت". وستأتي، كما وعدت مرة اخرى قريبا ولن يتبدد شك ولن يتغير من الواقع المر شيء، وسينعقد المؤتمر في منتصف تشرين الثاني وينفض، ويعود كل منه خالي الوفاض. لن يحدث تغيير ولا تقدم ولا بحث في اي من الامور الجوهرية ولا اي اتفاق..

فلم اللهاث وراء السراب اذن؟!

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليق (سالم المحمود)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2007.
    سعادة السفير شكرا لك على هذا التحليل النادر لما يجري على ارضنا الحبيبه ، سعادة السفير ولكن ما يؤسف له ان عباس تراجع فجأه بعد لقاء رايس عن كل المحظورات والرفض لحضور مؤتمر بلا اجنده واضحه ، بينما كان الطرف الاخر الاسرائيليل بالطبع مصرا على موقفه بل ازدادت تعنتا ، اليس هذا بالامر الغريب ، عباس المناسبه ليست لألتقاط الصور مع رئيس بقي له سنه في منصبه ، القضية قضية شعب وارض ووطن اهدر واستبيح ليلا نهارا في رام الله قبل غزه ، اما السيده رايس فكانت اول من ايد اعتبار غزه كيانا معاديا ، لا ندري قد تكون حماس والفصائل تملك صواريخ عابره للقارات لمهاجمة نيويورك لذلك اعتبرت كيانا معاديا للولايات المتحده ، ولكن ما تقوله اسرائيل يصادق عليه فورا اميركيا ، سعادة السفير شكرا مرة اخرى على تحليلك المنطقي والواقعي ونرى معك ان ما يسمى دوله فلسطين ستبقى في علم الاوهام
  • »[email protected] (Basheer)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2007.
    Al-Ghad