جوانب أخرى للغارة على سورية

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

لم يكن رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، يتوقع بعد عام كامل من حضيض في شعبيته، وسيف الإطاحة مسلط على رقبته في أعقاب نتائج الحرب على لبنان، أن يحظى بأسبوعين، كالأسبوعين الأخيرين وقد تطول الفترة، يقرأ خلالها المديح له من كبار المحللين السياسيين، بسبب تصرفه في"الملف السوري".

وقد يكون أولمرت الآن يتنفس الصعداء، وهو يقرأ عن ارتفاع شعبيته بوتيرة عالية، ولكن الهواء الذي يستنشقه معبأ بدخان الطائرات الحربية الإسرائيلية، التي اعتدت على أجواء سورية في السادس من الشهر الجاري، عملية عدوانية تحولت إلى أحجية بسبب الصمت الإسرائيلي، ولكن أيضا بسبب الضبابية في الرواية السورية.

ليست المرّة الأولى التي تتكتم فيها إسرائيل على عملياتها العدوانية وجرائمها التي تنفذها في ارجاء مختلفة من العالم، وفي غالب تلك الجرائم كانت تنفذ عمليات اغتيال، ولكن لا نذكر تكتما إسرائيليا كهذا بعد عملية كهذه في أجواء دولة أخرى.

وهناك سلسلة من التحليلات في إسرائيل لهذا التكتم، ومن بينها أن إسرائيل لا تريد الاعتراف بجريمتها، الأمر الذي قد تتبعه "حملة استنكار" عالمية، أو أن هذا قد يُعتبر "استفزازا" أكبر لسورية، يزيد من حدة التوتر بين البلدين ما قد يؤدي إلى حرب "ليست مرغوبة من الطرفين"، أو لكي لا تحرج إسرائيل باعترافها دولة أخرى أو أكثر ساعدتها في العملية.

إن الأجواء العامة في إسرائيل تؤكد أنه جرى تقسيم أدوار واضح بين الجهازين السياسي والعسكري من جهة، وبين كبار المحللين وصناع الرأي في إسرائيل من جهة ثانية، بمعنى ان الجهة الأولى تصمت "من أجل المصلحة الوطنية"، بينما تكثف الجهة الثانية من تلميحاتها للجمهور الواسع بأن إسرائيل نفذت حقا عملية عدوانية كهذه، من أجل طمأنته وزيادة ثقته بحكومته وجيشه.

وعندما نتحدث عن محللين إسرائيليين، فالمقصود في هذا المجال مجموعة صغيرة، معروفة بتغلغلها في رأس الهرم الإسرائيلي، السياسي والعسكري، ولا نكشف أي جديد عندما نقول انه في الغالب فإن الصحافة الإسرائيلية هي مجَنّدة لصالح المؤسسة، خاصة عندما يجري الحديث عن "البقرة المقدسة"، التي تدور حولها المؤسسة الإسرائيلية بتفرعاتها المختلفة، وهي"بقرة الأمن".

و"يبلغنا" عدد من المحللين الإسرائيليين مثل عاموس هارئيل في صحيفة "هآرتس" وأليكس فيمشان في "يديعوت أحرنوت"، بأن الرقابة العسكرية فرضت تقييدات جمّة، ومنعت الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية من عرض تفاصيل عن العملية الإسرائيلية.

والمثير في الأمر ان قانون الرقابة العسكرية الإسرائيلي يحظر على وسيلة الإعلام أن تبلغ الجمهور بأن لديها شيئا ما وأن الرقابة تمنع نشره، إلا أن الصحافة الإسرائيلية "خرقت" هذا البند من القانون، ولم يظهر أحد ليحاسبها، وهذه حقيقة تعزز فرضية تقاسم الأدوار.

كذلك فإن الصحف الإسرائيلية نشرت بكثافة شديدة كل ما نشر في الصحف العالمية، وخاصة الأميركية منها، عن سيناريوهات العملية الإسرائيلية في سماء سورية دون قيد أو شرط، لا بل ان المحللين الإسرائيليين اعتمدوا هذه المعلومات في تحليلاتهم في إشارة واضحة إلى تبينهم لهذه المعلومات.

وعلى الرغم من كل التفاصيل التي نشرت حتى الآن حول طبيعة هذه العملية، وكلها تفاصيل مشكوك فيها، لأنه لم تؤكدها أية جهة، إلا أن صلب النقاش في إسرائيل لم يكن العملية وهدفها، وإنما تصرف المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، حتى تحول إلى محط "إعجاب" لدى كبار المحللين السياسيين.

فمثلا يكتب المحلل السياسي البارز في صحيفة "هآرتس" ألوف بن بعد يومين من العملية ما يلي:"إن الصمت الرسمي الذي تتبناه القيادتان السياسية والأمنية الإسرائيلية حول ما جرى في سورية، يدل على ثقة بالنفس، فعلى الرغم من تردي وضعية أولمرت في استطلاعات الرأي، وعدم اتساع شعبية وزير الأمن(الحرب) إيهود باراك، إلا أنهما لا يسارعان للتحدث في هذه القضية".

ثم يكتب بن بعد أيام، مقالا آخر تحت عنوان "الصمت فعال"، "إن التقارير في وسائل الإعلام الأجنبية، التي تزايدت في الأيام الأخيرة، حول عملية سلاح الجو(الإسرائيلي) في سورية، لم تكسر الصمت الإسرائيلي الرسمي حول القضية، كما لا توجد مؤشرات بأن يزول هذا الصمت".

ويتابع بن كاتبا، "إن بإمكان إسرائيل أن تسجل لصالحها التجاهل التظاهري من قبل الحكومات الهامة في العالم للادعاءات السورية، فالأوروبيون الذين يسارعون لاستنكار كل ضربة إسرائيلية ضد الفلسطينيين، تجاهلوا الغارة الليلية لسلاح الجو(الإسرائيلي) في عمق الأراضي السورية".

ومن الصعب هنا حصر النماذج لما جاء في الصحافة الإسرائيلية من خلق أجواء داعمة للحكومة الإسرائيلية وجيشها، بعد تلك العملية، ثم تصدر سلسلة مقالات تبرر "المسؤولية الصحافية" في إسرائيل، التي "التزمت" بقرار الرقيب العسكري، كما يرى الصحافي شلومو برزيلاي، في رسالة واضحة للجمهور بأن لدى الصحافة الإسرائيلية ما تنشره ولكنها تلتزم الصمت، وفي هذا نوع من تأكيد ما جاء في وسائل إعلام أجنبية.

ولم تطل الفترة حتى بدأ أولمرت "يحصد" نتائج صمته بعد العملية في سورية، "ليبشره" أحد استطلاعات الرأي بأن شعبيته ارتفعت إلى مستوى 35%، بعد أن كان يحظى قبل ثلاثة اشهر بنسبة 7%، وفقط قبل أسبوعين ارتفعت إلى نسبة 25% بسبب المحادثات الجارية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أبو مازن.

إلى جانب التحفظ من الإسراع في استخلاص النتائج من استطلاعات الرأي في إسرائيل، تجدر الإشارة إلى ان استطلاعات الرأي الإسرائيلية باتت، في الغالب، واحدة من أساليب بلورة الرأي العام في الشارع.

ولكن نتائج هذا الاستطلاع يجب ان لا تكون مفاجئة، لأنها تؤكد من جديد أن الشارع الإسرائيلي لا يزال أسيرا للعقلية العسكرية،وهذا ليس صدفة،لأن الإسرائيلي منذ ولادته أو وصوله مهاجرا إلى إسرائيل، يفرضون عليه عقدة الخوف من الغير:"كل العالم ضدنا أينما كنا"، و"نعيش في منطقة شرق أوسطية تريد إبادتنا"،وغيرها.

ولهذا فإن العامل المقرر لشعبية أي زعيم في إسرائيل هو الجانب العسكري، فعلى مدى عامين حقق الاقتصاد الإسرائيلي إنجازات كبيرة، باتت تنعكس على نسب النمو العالية وتراجع البطالة ولجم الفقر، وهذه معطيات في مجتمع مدني طبيعي كان يجب ان تحقق شعبية كبيرة جدا للشخص الحاكم أو حزبه، ولكن ما لمسناه هنا العكس،وفقط لمجرد وقوع ضربة عسكرية، لا أحد في الشارع يعرف طبيعتها، بدأ أولمرت يستعيد بعضا من شعبيته، لا بل إن أولمرت قد يستخدم "ورقة العملية في سورية"، في مواجهة أية ضغوط مستقبلية عليه، بعد صدور التقرير النهائي للجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، "لجنة فينوغراد".

هكذا كانت ولا تزال إسرائيل على مر60 عاما، فالمقرر دائما وفي كل كبيرة وصغيرة هو الجانب العسكري.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

[email protected]

التعليق