بلعين: التجربة والنموذج الشائك

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

بلعين قرية صغيرة من قرى الضفة الغربية المحتلة، الوصول إليها في عهد الاحتلال مهمة ليست سهلة، خاصة إذا اضطررت أن تصلها من جهتها الشرقية، ولكنها منذ قرابة ثلاثة أعوام نجحت في أن تكون على خريطة النضال الشعبي الفلسطيني، ومن باب الدقة، فإن هناك من نجح في وضعها على هذه الخريطة.

قبل ثلاث سنوات، ومثل الكثير من قرى فلسطين في الضفة الغربية وجدت بلعين نفسها محاصرة بجدار الفصل العنصري، الذي اقتطع منها آلاف الدونمات الزراعية، مصدر الرزق شبه الوحيد للقرية، والدخول إلى هذه الأراضي أصبح يتم عبر بوابة ضيقة، وهذا مرتبط أولا وأخيرا بمزاجية الاحتلال وتوقيته.

ونجحت قوى سياسية في القرية في تجنيد قوى سلامية إسرائيلية، ومن ثم عالمية، للمشاركة في مسيرة نضالية، بدأت قبل اقل من ثلاث سنوات، ولكن لم يكن يعرف المناضلون فيها على جنسياتهم، أن مسيرتهم ستستمر كل هذه المدة، ولم يعرفوا مسبقا أن هذه المسيرة ستتحول إلى واحد من أبرز رموز النضال ضد جدار الفصل العنصري.

وقد شهدت القرية طوال أكثر من30 شهرا متواصلا، مظاهرات شعبية كل يوم جمعة دون توقف، تارة بمشاركة المئات، وتارة بمشاركة الآلاف، خليط من اللغات المحلية والعالمية، تصدح في الهتافات، مظاهرات"سلمية" أمام فرق جنود مدججة بكل أنواع الأسلحة، التي كانت تصد المتظاهرين بشكل دموي كلما اقتربوا من الجدار.

وقد حصدت هذه المظاهرات الكثير من الضحايا،وبالأساس مصابين، من الفلسطينيين ولكن أيضا من الإسرائيليين والأجانب،ومن بينهم من أصيب بعاهات جسدية أبدية، مثل فقد العين وغيرها.

لقد فرضت بلعين نفسها بقوة على الرأي العام في داخل إسرائيل وفي العالم، وباتت بلعين "نقطة الضعف"الأكبر لإسرائيل في دعايتها العالمية الحالية،التي تزعم فيها أنها تحارب ما يسمى بـ"الارهاب"،في محاولة مستمرة لنزع القضية الفلسطينية من مسرح التحرر الوطني إلى خانة الارهاب،مدعومة من قوى دولية متواطئة،على رأسها الولايات المتحدة.

في الأسبوع الماضي أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية جيش الاحتلال الإسرائيلي بتغيير مسار جدار الفصل العنصري عند قرية بلعين، بشكل يعيد إلى القرية ما بين1500 إلى2000 دونم، ولكن هذه ليست كل الأراضي، وهذا لا يعني أيضا إعادة مسار الجدار إلى حدود الرابع من حزيران1967، ولهذا فإن المسيرة النضالية لن تتوقف في بلعين، كما يؤكد رواد هذه المسيرة، على مختلف أجناسهم.

لا داعي ولا مكان أصلا، للرقص احتفالا "بعدالة جهاز القضاء الإسرائيلي" المتواطئ باستمرار مع السياسة العامة الموجّهة لحكومات إسرائيل، والحالات الشاذة التي تطل من هنا وهناك، ليست هي نهج القرارات العام في جهاز المحاكم الإسرائيلية، بدءا من المحكمة العليا.

إن موضوع التوجه إلى جهاز القضاء الإسرائيلي في كل ما يتعلق بقضايا احتلال المناطق الفلسطينية منذ العام1967، هو أمر شائك جدا، فيه الكثير من الاجتهادات والاختلافات بوجهات النظر، وفي كل واحدة منها تجد جانبا من صحة الموقف.

فهناك اتجاه، وأتبناه شخصيا، يقول إن التوجه إلى جهاز المحاكم الإسرائيلية سلاح ذو حدين، فهو يضفي شرعية لجهاز قضاء تابع لحكومة الاحتلال، وعليه فإن هذا الجهاز يسمح لنفسه بإصدار أي قرار في كل الاتجاهات، مما يضعف موقف الضحية، التي قضيتها الأساسية سياسية عامة، وكل قضية تفصيلية تنبع من قضية الاحتلال الكبرى.

أما الاتجاه الثاني فهو يقول إن هذا نوع من محاربة العدو بآلياته، وفي هذا نوع من المنطق، ولكن بنفس الوقت فيه الكثير من الخطورة السياسية بشأن التعامل مع أجهزة الاحتلال، وإضفاء نوع من الشرعية على مؤسساته.

ومن باب الدقة فإن الحديث هنا يجري عن المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام1967، وليس مناطق1948، نظرا لخصوصية كل جانب.

إن القرار الصادر من المحكمة العليا الإسرائيلية لم يكن تعبيرا عن "رحابة صدر العدالة الإسرائيلية"، فهذه المحكمة بالذات أضفت"شرعية" على الكثير من الجرائم ضد الإنسانية، التي تنفذها إسرائيل لحظة بلحظة في فلسطين التاريخية، من تمييز عنصري، لا مثيل له حاليا وفي التاريخ، ضد فلسطينيي48، وحتى جرائم الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إن ذلك القرار جاء بتأثير واضح ومباشر للنضال الشعبي الجماهيري، الذي مارسه أهالي بلعين والقوى السلامية الإسرائيلية والأجنبية، الذي نجح في استقطاب وسائل الإعلام العالمية بالأساس والعربية، حتى بات لا يمكن لأي لقاء محلي أو اقليمي أو عالمي يطرح قضية الجدار دون ذكر قضية بلعين كنموذج، وهذا خلق جوا عاما ضاغطا.

إذا اعتبرنا أن نموذج التوجه للقضاء الإسرائيلي هو نموذج شائك وخلافي، فإن التجربة النضالية التي يمارسها أهالي بلعين تعيد أولا إلى الأذهان الانتفاضة الشعبية الجماهيرية، "انتفاضة الحجارة" التي انطلقت في نهاية العام 1987 واستمرت قرابة خمس سنوات.

وهذه التجربة تؤكد على جدوى النضال الشعبي في ظل ظروف الاحتلال الإسرائيلي القائمة في هذه المرحلة محليا، وأيضا في ظل توازن القوى المختل عالميا، ففي بلعين لم نر سلاحا ولا وجوها مقنعة، تتزاحم على مايكرفونات وسائل الإعلام لتطلق التهديد والوعيد ثم تختفي، ولم تُطلق حتى رصاصة واحدة من المناضلين، وحتى قذف الحجارة جاء ردا على عدوانية جنود الاحتلال، وليس مهاجمة.

المعركة في بلعين ليست بهذه السهولة التي قد يتخيلها البعض، مقللا من شأن النضال الشعبي الجماهيري، وجيش الاحتلال لم يكن بهذه الحضارية، ولم يبخل بجرائمه، ولم يصد المتظاهرين بقفازات حريرية، ولم تكن هراواته أعواد سواك.

فقد أكدت سلسلة من التقارير الصحافية الإسرائيلية في الفترة الماضية أن جيش الاحتلال حول مظاهرات بلعين إلى حقل تجارب وتدريبات لقواته القمعية على مختلف أنواعها، مثل تجربة العديد من أنواع القنابل الغازية المسيلة للدموع والقنابل الصوتية، وأنواع من الرصاص المطاطي وغيره، وحتى تدريب قوات مختلفة من أجهزة القمع البوليسية والعسكرية على قمع المظاهرات.

في بلعين بطولة شعبية فلسطينية وجدت إلى جانبها أصحاب الضمير من الإسرائيليين والعالم، أضعفت إسرائيل محليا في هذه القضية العينية، وكمن يتابع تفاصيل الخطاب الإسرائيلي بتنوعاته وما يكتب وما ينشر، فإن صناع الرأي والساسة يفضلون تجاهل بلعين،إذا لم يكن لديهم ما يقولونه تضامنا، خاصة من الكتاب.

وملاحظة لا بد منها، لدى الكثير في العالم العربي حساسية كبيرة من ذكر "القوى السلامية الإسرائيلية"، نظرا لشبه الإجماع في الشارع الإسرائيلي وراء سياسة حكوماته وجرائمها، وبالامكان تفهم هذه الحساسية، ولكن المصلحة الوطنية تقضي بأن نعترف بوجود هذه القوى ونشركها في نضالنا، حتى وإن أعدادها متواضعة، ولكنها قادرة على التأثير جدا في حلبتي الرأي العام الإسرائيلي والعالمي.

هناك الكثير من القوى السياسية الفلسطينية التي كانت ترفض هذه القوى، ولكنها لاحقا أدركت أهميتها.

صحافي وكاتب سياسي-الناصرة

[email protected]

التعليق