د.باسم الطويسي

"أمننا الغذائي" مهدد: العودة إلى وادي الأردن

تم نشره في السبت 8 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

مشهد الاحتجاج البسيط والعفوي الذي أقدم عليه أهل الحلال أو مربو المواشي، قبل أيام، يعبر بوضوح عن احوالهم، بعد رفع الدعم المقدم لأعلاف المواشي ما يدل على حجم عمق الهوة الاجتماعية وطبيعة الحراك الاجتماعي الطبقي داخل المجتمع، وربما يقدم إجابة واضحة على سؤال الحكومات المتتالية أين يذهب الدعم الحكومي الذي يوفر للسلع والخدمات الاستراتيجية؟

هذه التطورات تعيد فتح باب النقاش حول وضع مسألة الأمن الغذائي الوطني على رأس سلم الأولويات الوطنية، في ضوء استئناف الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية والغذائية منها، وازدياد حجم الفجوة الغذائية التي نعاني منها. المسألة لا تتوقف عند مراجعة سياسة الدعم، ولا حتى عند غياب سياسة تموينية واضحة، فالحكومة التي مارست جرأة في بعض قراراتها في سياسة الدعم عليها ان تكاشف المجتمع بكل جرأة عن حجم الفجوة الغذائية وعمقها.

فجوة الغذاء ترتبط بشكل جوهري بأزمتي المياه والطاقة المزمنتين في الأردن، وما تزال منذ فترة طويلة تتراكم دون القدرة على تقديم إجابات واضحة حولها.وبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ولجنة الأمن الغذائي العالمية؛ فإن الأردن يقف بين(11) دولة في آسيا تصنف تحت عنوان الدول الأكثر إثارة للقلق في مجال الأمن الغذائي، وإذا كانت معظم الدول المصنفة تحت هذا الخط تعاني من آثار الكوارث الطبيعية والجفاف والحروب، فإنّ الحال لدينا تعود إلى نتائج سياسات جعلت من قطاع الزراعة عبئا على الاقتصاد الوطني أكثر من كونه قطاعاً رافداً للاقتصاد، حيث تراجع عدد العاملين في الزراعة إلى3،9 من القوى العاملة، وتراجع في الوقت نفسه إسهامها في الناتج الإجمالي المحلي إلى حدود2.5% بأسعار السوق.

دائما نتعلل بالندرة، ولم تعلمنا الندرة بعض الحكمة في إدارة السياسات التنموية في مجال الزراعة، لنأخذ أمثلة من الأرقام الرسمية، ولكن بقراءة مختلفة، نجد انه إضافة إلى تواضع إسهام هذا القطاع في الناتج الوطني الذي يحتاج لرفع مساهمته إلى عشرة أضعاف الوضع الراهن كي نخلق التوازن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي النسبي، فإننا نجد أن55% من هذا الناتج الزراعي يتركز في قطاع الإنتاج الحيواني، ونلفت انتباه القارئ للتركيز في الأرقام لإدراك حجم الاختلالات.

وفي هذا القطاع المولد للمشاكل يحتل قطاع الدواجن المرتبة الأولى من حيث الأهمية، حيث يقدر حجم الاستثمار فيه بحوالي مليار دينار، ويوفر الاستثمار في الدواجن حوالي عشرة الاف فرصة عمل، معظمها من العمالة الوافدة، بمعنى ان هذا القطاع يفتقر لأي قيمة اقتصادية اجتماعية إنتاجية، ولا يعد أكثر من كونه قطاع خدمات.

ويحتل قطاع تربية الأبقار المرتبة الثانية بحجم استثمار حوالي(200) مليون دينار، ويوفر3 آلاف فرصة عمل معظمها من العمالة الوافدة التي توظفها مزارع تربية الأبقار. ولا يتجاوز ما لدى العائلات الريفية2% من بين252 مزرعة تربي حوالي68 ألف رأس من الأبقار، بمعنى أنّها استثمارات لا تقدم أية قيمة مضافة للاقتصاد ولا تشغل احداً.

أما تربية الأغنام، التي تأتي في المرتبة الثالثة، فقد ساهمت بحوالي23% من إجمالي الإنتاج المحلي من الحليب الطازج، ويصدر من الأغنام حوالي180 ألف رأس سنويا لأسواق الخليج العربي. وتشكل الأعلاف70% قيمة تكاليف تربية الحيوانات في حين ان الإنتاج المحلي من الأعلاف لا يغطي سوى 25% من هذه الاحتياجات.

الاستعراض السريع للأرقام السابقة يؤدي إلى نتيجة رئيسة وهي أنّ الزراعة في الأردن قد تحولت نتيجة سلسلة من تراكم السياسات المتناقضة، وعدم وجود رؤية واضحة وحكيمة لإدارة الموارد المحدودة إلى مجرد قطاع خدمات وعالة على الاقتصاد والمجتمع، ومجال محدود لاستثمارات احتكارية تعتمد على العمالة الوافدة؛ بعد ان تم تفريغ هذا القطاع بالتراكم، وعلى مدى ثلاثة عقود مضت من المضمون الاجتماعي في العمل والإنتاج والقيم، وهو الأمر الذي يختتم اليوم بمشهد "نهاية الريف الأردني"!

أمننا الغذائي مهدد، ويشهد في هذه الفترة حرجا حقيقا وحالة بالغة الخطورة، في ضوء الحلول الآنية والتوازنات الهشة التي تدار وفق رؤية ضيقة لمفهوم اقتصاد السوق ومساره التاريخي وحدود دور الدولة. وبعيداً عن توظيف مسألة الأمن الغذائي في السجال السياسي الذي لا يتوقف، يجب الانتباه إلى خطورة التوازنات الهشة السائدة اليوم في ملف الأمن الغذائي.

نحن ندرك أنه لا يوجد بالفعل بلد في العالم يتمتع بأمن غذائي مطلق أو يستطيع تأمين الحد الأعلى من الاحتياجات الغذائية، لذلك هناك تجارة دولية وتبادل سلعي عالمي، لكن هذا الأمر لا يبرر حجم الفجوة الغذائية المحلية وعمقها، وغياب السياسات الواضحة القادرة على الحد من عملية تفريغ السلة الغذائية الوطنية التي تكاد ان تكون فارغة تماماً هذه الأيام.

من زاوية أخرى؛ نجد ان قطاع الزراعة - وفق السياسات الراهنة- لا يقدم قيمة اقتصادية حقيقية مضافة للاقتصاد الوطني، ولا يضيف بعداً استراتيجياً للأمن الغذائي، ويرتبط في معظم قدرته الإنتاجية على العمالة الوافدة، وفي الوقت الذي أنهت اختلالات السوق، وإدارة البلاد على واقع المعونات والمساعدات الخارجية معظم فرص التنمية الريفية المحلية، وحدّت من قدرة القطاع الزراعي على تشغيل عمالة محلية، فإن إنتاجية هذا القطاع ترتبط بشكل أو آخر باستمرار العمالة الوافدة.

مسألة الأمن الغذائي تحتاج إرادة سياسية ووعيا جديا وإدارات كفؤة، بحاجة للعودة إلى وادي الأردن؛ من وادي عربة جنوباً حيث حوض الديسي العتيد إلى الأغوار الشمالية؛ فهناك مطبخ الغذاء الأردني المهمل والمتروك لمن هب ودب منذ عقود.

ثمة ضرورة ماسة لاستراتيجية وطنية جديدة للتنمية الريفية، قبل ان نتمنى على الناس بكل بساطة ان يواجهوا نيران الأسعار بالاقتصاد المنزلي.آن الوقت لإدارة حكيمة لندرة الموارد وصولا لسياسات بناء السدود والحصاد المائي وصولاً إلى حديقة المنزل. 

[email protected]

التعليق