محمد أبو رمان

"العدالة" المغربي أفق جديد في التجربة الإسلامية

تم نشره في الجمعة 7 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

على الرغم من الحملة الإعلامية والسياسية الشرسة التي يتعرّض لها؛ إلاّ أنّ أكثر استطلاعات الرأي العالمية والمحلية تتوقع أن يحظى حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالنصيب الأكبر، بين الأحزاب، بمقاعد البرلمان، ولكن هنالك تباين في النسبة المتوقع أن يحصل عليها، وفيما إذا كان سيقدّر له تشكيل الحكومة منفرداً أم مع آخرين أم أنه سيبقى في المعارضة.

في سياق تصنيف الأحزاب الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، من حيث البرنامج والقوة السياسية، فإنّ حزب العدالة يأتي في مرحلة متطورة ومتقدمة بمسافات عن الأحزاب الإسلامية العربية المشرقية، بصورة خاصة جماعة الإخوان في كل من الأردن ومصر والكويت، لكن بمرتبة متأخرة عمّا وصلت إليه تجربة شقيقه في الاسم "حزب العدالة والتنمية" التركي.

ويخوض العدالة والتنمية الانتخابات البرلمانية المغربية ببرنامج انتخابي استثنائي، يقع في قرابة تسعين صفحة، بعنوان "معاً نبني مغرب العدالة". ولا تدع قراءة البرنامج شكّاً لدى القارئ والمتابع في المسافة الشاسعة التي قطعها الحزب باتجاه الواقعية والعقلانية، ما يتجاوز كثيراً ليس فقط الإسلاميين العرب، بل والأحزاب السياسية الأخرى.

يتغلّب الهم الاقتصادي على برنامج الحزب منذ البداية، متجاوزاً الشعارات والمواقف المعلّبة والجمل الإنشائية المتداولة في الخطاب الحزبي العربي ليقدّم بلغة الأرقام والإحصائيات والتحليل المحترف طبيعة المشكلة الاقتصادية المغربية وحجم التحدي الاقتصادي- الاجتماعي. جاعلاً قصة النمو الاقتصادي وتطوير التعليم والبحث العلمي وتوسعة دائرة الاستثمار وخلق فرص العمل هاجساً رئيساً في استراتيجياته المقترحة. ويركّز البرنامج على ضرورة تزاوج نظام التضامن مع الإنتاج، أي مراعاة الجانب الاجتماعي في المسار الاقتصادي الليبرالي الحالي، وهو موقف قريب نسبياً من موقف العدالة والتنمية التركي الذي يقبل الاندماج في الاقتصاد العالمي والخصخصة والمنحى الليبرالي، لكن بصورته "الناعمة".

ما يثير الاهتمام بحق أنّ شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" الذي تجعله الحركات الإسلامية العربية عنوان حملاتها الانتخابية (الإسلام هو الحل) غاب تماماً عن برنامج الحزب السياسي، واستُبدل بجملة "الحفاظ على الهوية الإسلامية للمغرب"، التي جاءت في مرتبة متأخرة في أوّليات الحزب المطروحة. بمعنى؛ أنّ الحزب قام بإعادة هيكلة الأوّليات والاهتمامات لتبرز المطالب اليومية والحياتية والوطنية على حساب المشروع الأيديولوجي الرئيس للإسلاميين الذي يركّز على موضوع "الأسلمة" دون تقديم أجوبة واقعية منطقية لكيفية تطبيق هذا الشعار!

وعلى قدرٍ مكافئ لبرنامجه الانتخابي فإنّ قائمة المرشحين تحتوي على مستوىً جيّد من التنوع في الخلفية العلمية والعملية والتخصصات المهنية والأكاديمية المختلفة، من تخصصات اقتصادية وسياسية وشرعية وعلمية ومن رجال ونساء ومناطق متعددة، وهي تكاد تكون أقرب إلى القائمة الوطنية الشاملة، وفيها "نزعة تكنوقراطية".

في المقابل؛ ليس من المتوقع أن تكون طريق الحزب مفروشة بالورود! وعلى الرغم من توقعات النجاح وما يقال عن علاقته بالقصر (أو المخزن – كما يقول المغاربة) فإنّ هنالك شكوكاً لدى عدد من الخبراء والمطّلعين حول حقيقة موقف الملك محمد السادس، فيما إذا كان هنالك حسمٌ حقيقي تجاه الحزب أم لا.

ومهما بلغت قوة الحزب وكفاءته السياسية فإنّ شروط اللعبة السياسية المغربية لا تسمح بإطلاق قدراته وحريته الكاملة في إدارة شؤون البلاد، فما يزال الملك يُمسك بمقاليد الأمور وبخيوط اللعبة كافة، على خلاف التجربة التركية التي يقتصر تدخّل العسكر في حال رأوا - أو ادّعوا- وجود تجاوزات ضد "أسس النظام العلماني"، لكن التجربة المغربية تبقى أفضل من التجارب العربية التي ما تزال تختلق "فوبيا الإسلاميين" ولا تسمح بأي مساحة لتبادل السلطة، فضلاً عن علامات الاستفهام الكبرى على مخرجات الانتخابات التي تُديرها!

على الطرف المقابل؛ فإنّ في ميزان قوة الحزب، مقارنة بالأحزاب المغربية، قدراً ومستوىً - متوقعاً- أكبر من نظافة اليد والشفافية وحماية الثروة العامة، والالتزام بمعايير قانونية وأخلاقية في إدارة شؤون الحكم.

من أبرز التحديات الرئيسة أمام الحزب تحدّي الوحدة الداخلية والانسجام. فهنالك قفزة كبيرة قام بها في مجال تطوير فكره السياسي، مع الرؤى التقدمية لأمينه العام د. سعد الدين عثماني، الذي يُعدّ من العقول الإسلامية الجديدة المتميزة في العمل الإسلامي، فضلاً عن امتلاكه كاريزما قيادية وحضور لافت. لكن المقربين من الحزب يرون أنّ الصفوف الخلفية والمتوسطة في التنظيم ليست على القدر نفسه من التطور، وربما تؤدي أي هزّة أو أزمة داخلية كبيرة إلى انشقاق أو مشكلات تفرض سؤال التماسك الداخلي بقوة.

المحك الحقيقي هو في التجربة العملية القريبة القادمة، وفي مدى قدرة الحزب على تطبيق برنامجه الانتخابي ورؤاه السياسية المتقدمة في أرض الواقع، ومدى شعور المواطن بالتغير الحاصل والفارق الكبير بينه وبين التجارب السابقة في الحكم، فهذا هو المعيار الذي سيدفع الحزب إمّا إلى الأمام أو إلى الوراء.  

على أي الأحوال إذا تمكّن الحزب من تحقيق انتصار نوعي في الانتخابات، وإذا مُكّن من تشكيل الحكومة، فسنكون أمام مذاقٍ جديد من "الوجبة الإسلامية" في الحكم، بعد تناول وجبات إسلامية دفعة واحدة في السنوات الأخيرة؛ فهنالك التجربة التركية، وتجربة حماس، والأحزاب الإسلامية (السنية والشيعية) في العراق، وكل تجربة من هذه التجارب لها شروطها الخاصة وسماتها التي تجعل من الصعوبة قياس حالة الحركات الإسلامية العربية الأخرى عليها. فهل يمكن أن تفتح لنا تجربة العدالة نافذة واسعة في قراءة آفاق التجربة السياسية الإسلامية؟

المعاينة قريبة، خلال الأيام القادمة..

m.aburumman@alghad.jo

التعليق