محمد أبو رمان

حزب التحرير: أزمة موضوعية أم ذاتية؟

تم نشره في الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

عاد حزب التحرير الإسلامي إلى الأضواء الإعلامية والسياسية بصورة لافتة خلال الأيام الماضية، وقد حظي التجمع الذي أقامه الحزب في العاصمة الاندونسية جاكارتا، بعنوان "مؤتمر الخلافة العالمي"، قبل أسابيع قليلة باهتمام المراقبين، لمستوى الحضور والحشد الكبير الذي وصل إلى قرابة ثمانين ألف شخص. ثم عادت صحيفة الديلي تلغراف للحديث عن حزب التحرير ونفوذه المتنامي في مناطق الضفة الغربية، إذ تشير مراسلتها أنّ هنالك آلاف الشباب ممن ينضمون للحزب بعد أن ضاقوا ذرعاً بحركتي حماس وفتح.

وسواء كان الحديث عن النفوذ المتنامي للحزب في الضفة الغربية صحيحاً أم مبالغاً فيه، فإنّ ما هو واضح تماماً أنّ الحزب قد استعاد بريقه الذي اختفى خلال السنوات المنصرمة وعاد نشاطه بالصعود مرة أخرى. وما فتح أفقاً استراتيجياً جديداً له هو المجتمعات والدول الجديدة في آسيا الوسطى التي حقق فيها الحزب اختراقات مشهودة وكبيرة، وتجاوز في ذلك الحركات الإسلامية الأخرى، كجماعة الإخوان المسلمين والحركات السلفية، ويبدو أنّ المنافس الرئيس له – في تلك المناطق- هو المجمعات والطرق الصوفية والتيار السلفي الجهادي الذي منحه الصراع السياسي في الشيشان والمناطق الأخرى زخماً سياسياً وتنظيمياً، واستطاع أن يسحب جزءاً كبيراً من البساط من تحت أقدام التحريريين.

ومن المعروف أنّ حزب التحرير يمثّل مدرسةً فكريةً وسياسية مختلفة في مناهج العمل الإسلامي المعاصر. تأسس عام 1953 على يد القاضي الشرعي الفلسطيني تقي الدين النبهاني في مدينة القدس، وكان أحد المقربين من جماعة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية والشرقية، ثم حاول الحزب افتتاح فرع له في العاصمة عمان، وكان الشيخ تقي ناشطاً في فترة الخمسينيات في دعوة تجار وسط العاصمة عمان والطبقة الوسطى إلى أفكار الحزب ومشروعه السياسي، الذي أصبح منافساً رئيساً لمشروع الإخوان، قبل صعود الجماعات السلفية وبروزها في الساحة فيما بعد.

يقوم مشروع حزب التحرير على مفهوم رئيسي بنيوي وهو العمل على إقامة "الخلافة الراشدة" استناداً إلى معطيات رئيسية في مقدمتها أنّ هنالك تبشيراً نبوياً بأنّ الخلافة ستعود على "منهج النبوة والخلفاء الراشدين". ويرى الحزب أنّ الخلافة هي بمثابة سياج الحماية لمصالح المسلمين ووحدتهم، وأنّ مواجهة مختلف التحديات والأزمات تستدعي عودة الخلافة والخليفة بعد أن ألغاها الزعيم التركي السابق كمال اتاتورك في العقد الثالث من القرن الماضي.

ولأن الغاية سياسيةٌ (عودة الخلافة) فإنّ العمل الذي يتنباه الحزب في جوهره سياسي، يقوم على أنّ منهج التغيير ثابت في الإسلام لا يتغير؛ ويمر بعدة مراحل رئيسة أولها الدعوة السلمية في الشارع والمجتمع لبناء "وعي إسلامي عام" بأهمية إقامة الخلافة، ثم خلق "رأي عام" مساند لعودة الخلافة الراشدة (على غرار ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة)، ويتخلل هذه المرحلة من نشاط الحزب توزيع المنشورات وعقد الحوارات واللقاءات مع الناس والدعوة الفردية والتدريس وغيرها من أدوات وأنشطة إعلامية وسياسية.

ثم تأتي المرحلة التالية، في منهج الحزب، وتتمثل بما يسميه بـ"طلب النصرة"، والتي تقوم على الاستعانة بقيادات عسكرية من الصف الثاني أو الثالث في الجيش، يتبنون أفكار الحزب، ويقومون – هم- بانقلاب عسكري، ويسلّمون السلطة إلى قادة الحزب، لإقامة الخلافة الراشدة.

يرفض الحزب الديمقراطية بصيغتها الغربية، أو أن يكون صندوق الاقتراع في الراهن العربي طريقاً للخلافة، ويرى أنّ الطريق الوحيدة هي المراحل السابقة. وتبدو المفارقة أنّ الحزب قد حدّد الفترة الأولى – قبل الخلافة- بثلاثة عشر عاماً (وفقاً للمدة المكية) منذ تأسيس الحزب، وعندما فشلت نبوءته تراجع عن تحديد فترة زمنية. وعلى الرغم من رفض الحزب للمشاركة في العمل النيابي (التشريعي) إلى أنه شارك في الانتخابات النيابية الأردنية في الخمسينيات وقد نجح عنه نائب (أحمد الداعور)، ثم عاد الحزب لمقاطعة الانتخابات النيابية.

نشط الحزب، بداية، في عدة دول عربية أبرزها الأردن وفلسطين وسورية والعراق ولبنان، ثم تمركز نشاطه بعد عمليات انقلاب فاشلة (في سورية والعراق) في الأردن ولبنان. توفي مؤسسه عام 1977 وتولى عبد القديم زلوم (من قضاء الخليل مواليد عام 1924) إمارة الحزب إلى أن توفي عام 2003.

حدثت حالات انشقاق وخلافات فكرية داخلية متعددة ومتكررة في مسار الحزب كان أبرزها ما سمي بالحركة التصحيحية التي قادها بكر الخوالدة ومجموعته عام 2000، التي أدت إلى نكسة حقيقية في مسار الحزب ولدى أنصاره وأتباعه، فيما تولى عطا أبو الرشتا (الناطق الرسمي السابق باسم الحزب في الأردن) الإمارة بعد زلوم.

ثمة نقاش وجدال كبير حول الحزب ومشروعه الفكري والسياسي وتطوره إلاّ أنّ أخطر الآفات التي ابتلي بها الحزب هي الجمود على أفكار مؤسسه وعلى قراءة تاريخية معينة، وبعد أكثر من نصف قرن على تأسيس الحزب ونشاطه فإنّ الهدف الذي وضعه لنفسه، "الخلافة الإسلامية"، يبدو حلماً، بل إنّ الدولة "القطرية" التي يرفضها الحزب هي نفسها باتت مهددة بالتفكك والانهيار!

ربما يتفق "كثير من المسلمين" اليوم مع هدف الحزب بضرورة إقامة الخلافة الراشدة أو بصورة أكثر تطوراً بناء شكل من أشكال الوحدة الإسلامية والعربية، لكنهم يختلفون مع مضمون مفهوم الخلافة الكلاسيكي التاريخي الذي يطرحه الحزب، والأهم من ذلك مع الآليات والمناهج التي يتبناها الحزب والتي لم تؤد إلى أي نتيجة معتبرة، بعد أكثر من نصف قرن على تأسيسه، مقارنة – مثلاً- بما حققته جماعة كالإخوان المسلمين على أرض الواقع!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هو موجود في الساحة كفاية (احمد من الاردن)

    الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2007.
    ان اصل نشأة الحزب كان انشقاق وطوال فترة تاسيسه للان لم يحصل اي تطور ولا يعني مشاركة الالاف في اندونيسيا في الاجتماعات انهم تحريريون . ان الساحة مليئة بالعاملين في الشان الاسلامي وطالما هناك انواع متعددة ومنتشرة ولاقت قبولا فما الحاجة للاستمرار في هذا الحزب الذي يزيد التفرقة وبوادر ذلك ما يجري من تضخيم لشانه في موطنه في الضفة الغربية استغلالا للاحوال المحزنة التي تمر بها وشكرا للجميع
  • »الحجاب هو الحل (شكري عابس من الزرقا)

    الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2007.
    تطبيق الشريعة وفرض الحجاب والنقاب والعقاب والرجم والجلد وقطع الرؤوس هو الحل ويعطيكم العافية.