إبراهيم غرايبة

أردوغان يقدم نموذجا عالميا جديدا

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

بإعادة انتخاب حزب العدالة والتنمية بأغلبية كبيرة وانتخاب عبدالله غول رئيسا للجمهورية التركية، فإن حزب العدالة والتنمية قد يدخل تركيا والعالم الإسلامي وربما العالم أيضا في مرحلة سياسية وفكرية جديدة، فقد كانت المواجهة بين الدين والعلمانية أزمة عصفت بالغرب على مدى قرون عدة، وبرغم أن أوروبا ووراءها معظم دول العالم وحضاراته قد اختارت الانحياز إلى العلمانية ومحاولة إقصاء الدين عن الحياة العامة والسياسية أو تحييده فإن ذلك لم يحسم المعركة بالفعل لدى الشعوب والمجتمعات والأفراد، فقد بقي الدين محركا أساسيا لا يمكن تجاوزه، وظلت الدوافع الدينية تفسر وتوجه التقدم والنهضة والتخلف والفشل والنجاح والصراعات والحروب والنزاعات والاتجاهات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسلوك الجمالي والحياتي وتنظيم الموارد وتوزيعها والتضامن والتكافل والوحدة والاختلاف.

ثمة ما يقترب من الإجماع لدى جميع أتباع الأديان بأن الدولة الدينية ليست دينية في الحقيقة ولا يريدها الدين، ولم تعد المجتمعات والدول جميعها ترغب بالعودة إلى الدولة الدينية التي سادت في العصور الوسطى، وإن كانت الدولة الإسلامية لم تكن دينية بالمعنى والمفهوم الذي طبق في أوروبا والغرب أو في الصين والهند، فإنه أيضا (النموذج الإسلامي في العصور الوسطى) خضع لمراجعات مهمة، وحظي بصياغات وتصورات عدة يجمع بينها نموذج مختلف عن نموذج الحكم الذي طبق في العالم الإسلامي في القرون السابقة، ولكنه نموذج مدني يضع التجارب والاجتهادات الإنسانية أساسا للحياة والحكم بمرجعية دينية، فهي نماذج وإن كانت لا تتناقض مع الدين أو تختلف معه لكنها أيضا إنسانية بمعنى أنها تجارب واجتهادات تخضع للتغيير والتعددية والنسبية، وليست عملية دينية بحتة منزلة من السماء، فما نزل من السماء هو الوصايا والتطبيقات التي يجب الالتزام بها من العدل والإصلاح والقيم والأخلاق أو المبادئ المنصوص عليها في الحياة والمعاملات، ولكن الناس يجتهدون ملتزمين بهذه المبادئ في اختيار أنظمة حكمهم وحياتهم في السياسة والاقتصاد والاختيار والعلاقات الاجتماعية والسياسية وفي سائر شؤون الحياة، وهم في ذلك تتعدد تطبيقاتهم وقراءاتهم وتجاربهم، ويمكن اعتبارها جميعها إسلامية وحتى في حالة تناقضها مع الإسلام ، فلا يعني ذلك أنها ليست إسلامية، لأن المسلمين يخطئون ويصيبون في الفهم والتطبيق، ويتقدم ويتراجع التزامهم بالدين وتأثرهم بغيرهم وبالتاريخ والجغرافيا والأحداث والبيئة المحيطة. وكما أن المسلم لا يفقد صفة الإسلام بتخليه عن بعض مبادئ الإسلام فإن تجارب المسلمين وتطبيقاتهم نفسها في الحكم والحياة لا تخرجها ولا تخرج أصحابها من الدين بمجرد مخالفتها للدين.

قد تبدو إشكالية معقدة برغم سهولة وتعدد تطبيقها وفهمها في التاريخ والجغرافيا، ربما بسبب ضياع والتباس تحريرها ونقدها وتبريرها وتفسيرها في الخطاب الإسلامي الفقهي والسياسي، ولكن التجربة التركية (حزب العدالة والتنمية) التقطت الرؤية البسيطة هذه وحولتها إلى برنامج سياسي وعام للدولة في تركيا، وقد يكون نموذجا عالميا تقتبسه جميع الأديان والحضارات.

 فحزب العدالة والتنمية يقدم نفسه ببساطة على النحو التالي: نحن مسلمون، ونجد في الدين مرجعا أساسيا للحكم والحياة موردا كبيرا في التقدم والنهضة، ولكنا في التطبيق والعمل والسياسية نقدم تجربة إنسانية لا ننسبها إلى الإسلام بمعنى أنها الإسلام، ولا ننزع عنها أيضا صفة الإسلام، ولا ننفي تأثرها به، فلسنا ألمانيا ولا الحزب الديمقراطي المسيحي ولا المحافظين الجدد، نحن أتراك ومسلمون نقيم دولتنا وجمهوريتنا مجتهدين بتطبيق العدل والحريات والتقدم والتنمية والنهضة، ونعتقد أننا بذلك لا نخالف الإسلام، ونعتقد أيضا أن الإسلام لا يطلب منا نموذجا محددا وهيئة منزلة في الحكم كما في الصلاة والصيام والحج، وقد نخطئ أو نبتعد عن الإسلام في نظر آخرين أو حتى في نظر أنفسنا، ولكنا نجتهد في ذلك مقدرين مصالح ومفاسد نوازن بينها ونحاول وعيها وإدراكها، ونميز بين الإنساني والديني، وهو تمييز ليس سهلا ولا متاحا للفهم والتطبيق بسهولة، ونميز أيضا بين النص الديني وبين فهمه وقراءته، فنحن نفهم النصوص ونقرأها ولا نقول إن تجربتنا وفهمنا هو النص نفسه.

[email protected]

التعليق