تحول تركيا

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

كان انتخاب عبدالله غول الرئيس الحادي عشر لتركيا بمثابة خط فاصل في تاريخ البلاد.

ففي شهر يوليو/ تموز حقق حزب العدالة والتنمية الحاكم - المتحفظ دينياً، والليبرالي على المستوى الاقتصادي- انتصاراً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية التي نودي بها بعد أن أصرت القوات المسلحة التركية على رفضها لفكرة تولي غول منصب رئاسة البلاد.

والحقيقة أن هذا النصر، علاوة على انتخاب غول، يؤكد على بروز حزب العدالة والتنمية كحزب قادر على إعادة ترتيب صفوفه، وعلى رغبة الأتراك الحقيقية في التكامل مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من اشتداد حدة النزعة القومية الكارهة للأجانب.

في شهر إبريل/ نيسان الماضي كان ترشح غول لمنصب الرئاسة سبباً في بروز تهديد يتمثل في احتمال وقوع انقلاب عسكري، الأمر الذي عجل بعقد الانتخابات الأخيرة.وهنا، أوضح الناخبون أيضاً أنهم لم يعد لديهم الاستعداد لتقبل تدخل القوات المسلحة في السياسة الداخلية للبلاد، وتجاهلوا تحذيرات قادة الجيش من انزلاق البلاد على يد حزب العدالة والتنمية إلى ظلمات الحكم الثيوقراطي(حكم رجال الدين).

كان هذا الحوار العنيف بشأن رئاسة البلاد سبباً في تسليط الضوء على المغزى الرمزي من هذا المنصب فيما يتصل بتوازن القوى الداخلية في تركيا. فقد نظر البعض إلى غطاء الرأس الذي ترتديه زوجة غول لأسباب دينية باعتباره إهانة لمبدأ العلمانية المقدس في تركيا. والحقيقة أن الرئيس المنتهية ولايته، أحمد نجدت سيزر، كان قد رفض دعوة زوجات ممثلي حزب العدالة والتنمية الذين يغطين شعورهن إلى مأدبات العشاء التي تقيمها الدولة والحفلات الخاصة بعيد استقلال الجمهورية التركية.

إن الرئيس يمثل الدولة بطبيعة الحال، إلا أنه ليس مجرد تمثال أو صورة. فهو في المقام الأول والأخير، يجلس في المقعد الذي احتله أتاتورك ذات يوم. وهو يتمتع بسلطات واسعة النطاق، بما في ذلك سلطة تعيين كبار المسؤولين الحكوميين، وقضاة المحكمة العليا وأعضاء المجلس الأعلى للتعليم، واختيار رؤساء الجامعات التابعة للدولة من واقع قائمة يتسلمها من المجلس الأعلى للتعليم. وفي وقت السلم فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ولهذا السبب فقد كانت أزمة الانتخابات الرئاسية نابعة من النظام الدستوري المؤسس من قِبَل العسكريين حين حكموا البلاد أثناء الفترة من العام1980 إلى العام 1983. وذلك الدستور ـ على النقيض من دستور أتاتورك ـ كان قد دوِّن بواسطة العسكريين ولصالحهم على افتراض أن الحرب الباردة لن تنتهي أبداً، وأن الرئيس سوف يظل دوماً من بين العسكريين أو من بين المقربين من العسكريين.

إلا أن الحرب الباردة انتهت منذ أمد بعيد، كما تغير الكثير في تركيا منذ ذلك الوقت. فقد أسفر برنامج تم برعاية صندوق النقد الدولي في العام2001 عن تحقيق نمو اقتصادي سريع استند إلى التحول التدريجي الحاسم نحو اقتصاد السوق. وفي نفس الوقت تقدمت تركيا بشكل حاسم على مسار الإصلاح السياسي والإداري الذي كان لازماً قبل البدء في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

فضلاً عن ذلك فقد تسبب التحول الاقتصادي والاجتماعي في تركيا إلى بروز طائفة جديدة من أهل النخبة. وجاء حزب العدالة والتنمية ليمثل هذه النخبة الجديدة وسعيها المشروع إلى تولي السلطة السياسية في البلاد.

كان العديد من المعلقين الأجانب قد وصفوا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية باعتبارها سباقاً بين ماضي تركيا العلماني ومستقبلها الإسلامي المفترض. إلا أن النظرة الدقيقة المتأنية إلى الأمر تؤكد أن السباق في واقع الأمر يدور بين تركيا المنفتحة وتركيا المنطوية المنغلقة؛ بين الحكم المدني الديمقراطي وبين الوصاية العسكرية؛ وبين الاقتصاد القائم على العولمة والاقتصاد القائم على الحماية. لقد تلقى حزب العدالة والتنمية الدعم من هؤلاء الذين كسبوا من العولمة وأولئك الذين خسروا بسببها؛ من وسط الأناضول المحافظة ومن اسطنبول المنفتحة على العالم؛ من منطقة البحر الأسود ذات النزعة القومية ومنطقة الجنوب الشرقي ذات الأغلبية الكردية.

بعد النصر الانتخابي البرلماني الذي حققه حزب العدالة والتنمية في يوليو/تموز،والآن بعد انتخاب غول رئيسا للبلاد، توقع العديد من المراقبين حدوث تدخل عسكري. مما لا شك فيه أن القوات المسلحة، التي تُعَد معقلاً للمؤسسة العلمانية، غير راضية عن هذه النتائج، إلا أن وقوع انقلاب أمر غير وارد بالمرة.

من بين أسباب استبعاد وقوع انقلاب عسكري أن العلاقات بين القوات المسلحة والحركة الإسلامية في تركيا معقدة أكثر مما يبدو في الظاهر. ففي العام 1997، حين أرغمت القوات المسلحة حكومة أربكان الإسلامية آنذاك على الاستقالة،انقسمت الحركة الإسلامية.وبدأت العناصر الأكثر شباباً وحداثة وتطلعاً إلى الخارج في الانفصال عن الجيل التقليدي القديم المناهض للغرب والمعادي للسامية.ولقد أرغمت أزمة هذا العام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على استكمال تحول حزب العدالة والتنمية بعيداً عن النزعة الإسلامية الجامدة.

في أعقاب انتصار حزب العدالة والتنمية في يوليو/تموز،سعى أردوغان في البداية إلى تجنب استعداء القوات المسلحة باتخاذ القرار بعدم تجديد ترشيح غول للرئاسة.إلا أن غول أصر على ترشيحه، واتحدت كافة عناصر حزب العدالة والتنمية خلفه.

نتيجة لكل ذلك فإن تركيا تخطو الآن إلى منطقة مجهولة. ولسوف يكون غول رئيساً مشغولاً للغاية. وبينما تواجه تركيا العديد من التحديات الإقليمية، فلابد وأن تساعده خبرته كوزير للخارجية إلى حد كبير. إلا أن نشاط الرئيس وانشغاله بأمور البلاد قد يتسبب في إحداث نوع من التوتر بينه وبين رئيس الوزراء، الذي يعتبر في النظام التركي المسؤول التنفيذي الحقيقي.

إن صعود غول إلى السلطة لابد وأن يؤدي إلى ترسيخ عملية التحول التي تشهدها السياسة التركية. لقد نجحت تركيا في دمج حركتها الإسلامية في التيار السياسي الرئيسي. وأصبح ممثلو القسم المركزي الأوسط من البلاد، والذي يتسم بالنشاط على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، قادرين على تحريك تركيا نحو الإصلاح.والآن سوف يستمر مشروع التحديث الجمهوري بمشاركة قاعدة أعرض من المجتمع التركي.

من هذا المنطلق سوف تستمر تركيا في تفعيل هذا المزيج غير المسبوق والذي يتألف من الإسلام، والرأسمالية، والديمقراطية الليبرالية العلمانية. ورغم أن هذه الغاية قد تبدو بعيدة المنال في أعقاب الأزمة التي بدأت منذ ترشيح غول، إلا أن تركيا قادرة حتى الآن على مواجهة هذا التحدي بنجاح.

سولي أزيل أستاذ بقسم العلاقات الدولية بجامعة بيلجي، وكاتب عامود لدى صحيفة صباح اليومية التركية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق