أيمن الصفدي

الأزمة موجودة والندية مرفوضة

تم نشره في الخميس 16 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

أخطأ الناطق باسم الحكومة ناصر جودة حين نفى وجود أزمة بين الحكومة والحركة الإسلامية. وأصاب حين قال إن لا حزب يشكل نداً للدولة.

نفي وجود الأزمة غير مفهوم. دلائل هذه الأزمة أكبر من أن يمحوها تصريح صحافي. الأزمة ليست محصورة في الخلاف حول الانتخابات البلدية التي انسحب منها الإسلاميون بعد القول بوجود عمليات تزوير نفتها الحكومة. الأزمة أبعد من الانتخابات وأعمق منها. أساسها تزعزع الأرضية التي كانت رسمت حدود العلاقة بين الحكومة والإسلاميين وحصرت حتى الخلافات في إطارها.

مرد هذا التزعزع انعدام الثقة بين الجانبين. الإسلاميون يعتقدون أن الحكومة تستهدف وجودهم وحقهم في العمل السياسي. والحكومة لا تثق بالتزام الإسلاميين ثوابت الدولة وتتخوف من أنهم لا يؤمنون بنهائية الدولة الأردنية ويقدمون ارتباطاتهم عبر القطرية على مصالحها.

الأزمة إذن عميقة. وأخطار تفاقمها كبيرة لأن الإسلاميين باقون جزءاً من النسيج الاجتماعي والقوى السياسية في البلد ولأن الحكومة صاحبة الولاية الدستورية التي تحكم وفق مشروعية لا يمكن تجاوزها.

حل هذه الأزمة يكون بالاعتراف بوجودها لا بنكرانها. وهذا الحل يجب أن يعالج جذور التوتر وأن يرتكز الى احترام ثوابت البلد نظاماً ودستوراً وهوية. أي حل لا يواجه الأسباب الرئيسة للأزمة سيكون مهدئاً يُسَكِّنُ احتقاناً سينفجر مستقبلاً ضرراً على الأردن والأردنيين.

أما تأكيد الناطق الرسمي أن لا ند للدولة فهو كلام صائب لا غبار عليه. الدولة هي الوطن الأردني الذي نما وتطور وتجاوز عواصف فحقق إنجازاً فاق الإمكانات.

لا الإسلاميون ند للدولة. ولا الحكومة تختصر الدولة. حماية الدولة واجب مقدس على كل أردني. وهذا يكون من خلال التزام الثوابت واحترام الدستور وترجمة الولاء للوطن عملاً نافعاً يراكم الإنجاز ويحافظ على الأمن والاستقرار ويرفد مسيرة الإصلاح التي تستوجبها مصالح البلد.

الاختلاف دون هذه الثوابت مشروع. بل هو شرط للإبقاء على ديناميكية إيجابية تجذر حق المساءلة وتسمح بإعادة تقويم السياسات وتصحيح الأخطاء من قبل الحكومات والأحزاب والقوى المجتمعية الأخرى.

لا يقول أحد في الأردن إن البلد استكمل شروط العمل الديمقراطي. لكن لا يشكك أحد أيضا في أن الأردن استطاع الحفاظ على بيئة سياسية أتاحت رحابة مقبولة نسبياً للاختلاف في الرأي ووفرت مساحة معقولة للحوار. لم يشهد الأردن قمعاً سياسياً مارسته الجمهوريات "التقدمية" ولا استباحة لحياة الأفراد ارتكبتها الأحزاب القومجية التي حكمت دولاً في الجوار.

لم يعدم في الأردن، منذ تأسيس الإمارة، معارض سياسي واحد. الذين حاولوا الانقلاب على النظام سجنوا لفترات قصيرة ليصبح بعضهم لاحقاً وزراء.

الحريات السياسية كانت بين مد وجزر. لكن الجزر كان غالباً نتيجة لأحداث إقليمية فرضت هواجس أمنية واقتصادية على البلد. بيد أنه حتى في أقسى مراحل الجزر، حافظ الأردن على معالم تركيبته الرئيسة المتمثلة في التسامح وتحاشي الغلو وعدم كسر العظم.

الخلاف بين الحكومة والإسلاميين يجب، احتراماً للدولة وحفاظاً على إنجازاتها، أن لا يخرج عن هذا السياق التاريخي لديناميكية السياسة الأردنية.

سيجد الإسلاميون أنفسهم في مواجهة أكثرية الأردنيين إن تحدوا الدولة، أو حاولوا التمرد على ثوابتها. وستسيء الحكومة للدولة إن ظنت أنها تختزلها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام في محله (جمال)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2007.
    وانا اقرأ المقال وجدته كلاما دقيقا وموزونا ويشخص التطورات الاخيرة بين الحكومة والاسلاميين خصوصا تاكيدكم على ان اساس الازمة بين الطرفين هو انعدام الثقة بين الجانبين حيث ان الإسلاميين يرون أن الحكومة تستهدفهم وحقهم في العمل السياسي والحكومة من جانبها اضحت لا تثق بالتزام الإسلاميين بثوابت الدولة وتتخوف منهم.
    وانااتفق معكم ان الحل هو الاعتراف بوجود الازمة وان يحترم الجميع ثوابت هذا البلد وتحريم التعدي عليها.
  • »احذروا الخطأ (سناء قاسم)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2007.
    ما حدث في غزة يجب ان لا يتكرر في الأردن. علينا الحذر الشديد قبل انتخاب تلك الجماعات التي تعمل تحت تسميات دينية.