محمد أبو رمان

أزمات التلوث والتسمّم؛ من المسؤول؟

تم نشره في الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

من الواضح تماماً أنّ سلسلة الأزمات الأخيرة التي ضربت البلاد تلقي بظلال كبيرة على المشهد السياسي بأسره؛ بدءاً من تعامل الحكومة مع العاصفة الثلجية في الجنوب، مروراً بأزمات التسمم المتتالية، ثم مياه منشية بني حسن، وصولاً إلى الانتخابات البلدية وما صاحبها من جدل وأزمة سياسية غير مسبوقة بين الحكومة والمعارضة الإسلامية، والآن قصة تسمّم المئات من أبناء البقعة، ثم الحديث عن رفع الدعم عن أصناف من المحروقات (المتوقع أن تشمل الغاز والكاز والسولار)، وأخيراً انتقال جرثومة الأميبا إلى الكرك.

المناظرة الإعلامية والسياسية الكبرى التي صاحبت مختلف الأزمات السابقة والحالية هي: فيما إذا كانت المسؤولية تُلقى كاملة على الحكومة أم أنه من الظلم تحميل هذه الحكومة مسؤولية أثقال برامج كانت سابقة عليها ومُلزمة لها؟

المسألة، باختصار، ذات شقين؛ الأول يتعلق بمسؤولية أية حكومة تستلم أزِمّة الإدارة العامة والسلطة، فهي بالضرورة مسؤولة عن إدارة ومعالجة المشكلات، وتقصيرها يجب أن تحاسب عليه بالتضامن. والحكومة الحالية أخطأت بصورة واضحة في إدارة عدة أزمات وقعت فيها البلاد، وتأخرت كثيراًَ، ولم تظهر المرونة الكافية والحزم المطلوب.

أمّا الشق الثاني من المسؤولية؛ فيرتبط - تحديداً- ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، ومن المعروف- أنه قائم على اتفاقيات وسياسات ملتزمة بها الحكومة الحالية، وغيرها من حكومات، مع المؤسسات الدولية، تعكس التحول الجذري والكبير في دور الدولة الاقتصادي من دولة الرعاية والقطاع العام إلى "دولة القطاع الخاص".

هذه النقلة الاقتصادية الكبرى(بأبعادها السياسية والاجتماعية الهائلة)، كانت تستدعي حواراً استراتيجياً عميقاً، بخاصة مع التسارع الكبير الذي شهده برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية، ما أدّى إلى العديد من الأزمات، التي لا تنال هذه الحكومة فقط، بل ستطال الحكومات اللاحقة، إذ تبدو هذه الأزمات مجرّد أعراض أولية للشق الاجتماعي والسياسي الخطر الذي لم يراعَ في الالتزام بالبرنامج الاقتصادي.

في هذا السياق من الجدير الرجوع إلى تقرير كارنيغي الأخير: "إعادة التفكير في الإصلاح الاقتصادي في الأردن: مواجهة الوقائع الاقتصادية والاجتماعية"، إذ يشير التقرير إلى أنّ البرنامج الاقتصادي، وفي جوهره التحول نحو القطاع الخاص، خلّف آثاراً سلبية عميقة في بنية القطاع العام ودوره أصابته بالشيخوخة والترهل وعدم القدرة على مواكبة التحولات والتكيّف معها.

وإذا كان وزير الطاقة السابق، محمد البطاينة، قد توقّع (في تقرير الزميل يوسف ضمرة في "الغد" بالأمس) أن يؤدي الرفع القادم للمحروقات إلى ارتفاع خط الفقر من500 إلى 600 دينار فإنّ أبناء القطاع العام هم المتضررون بصورة مباشرة ورئيسة، والأهم من ذلك أنّ هذا يعني مزيداً من الترهل والأزمات والمشكلات، التي ستتضاعف بدورها لتصيب الحكومات اللاحقة.

المعضلة التي يعاني منها البرنامج الاقتصادي أنّ التحول باتجاه القطاع الخاص لا يرافقه استعداد الأخير للقيام بمهمات وأدوار القطاع العام في كثير من المجالات والنواحي. لكنه ينعم بكافة التسهيلات والترتيبات والاعفاءات الضريبية الهائلة، ويرتفع مستوى الدخل فيه عن القطاع العام بصورة واضحة!

الملاحظ، أولاً، أنّ الأزمات الأخيرة تصيب أخطر القطاعات الحيوية والمؤثرة على حياة المواطنين؛ الماء(والأردن يعاني أصلاً من شح شديد في المياه) والصحة(سلامة الغذاء، ظاهرة ضرب الأطباء، الانتقادات الموجهة لحالة المستشفيات العامة، مطالب أطباء الصحة المتكررة بإنصافهم، بالإضافة إلى ارتفاع نسب السرطان والسكري والمشكلات الصحية لشريحة واسعة من الناس)، هذا إذا تجاوزنا الحديث عن ملف التعليم الحكومي سواء على مستوى المدارس أم على مستوى الجامعات والتعليم العالي وما يثار من ملفات هائلة بهذا الخصوص، وبروز مظاهر الاحتجاج الاجتماعي من خلال المخدرات والتطرف الديني وغيرها من ظواهر.

والملاحظ، ثانياً، أنّ غالبية الأزمات هي في الأطراف وخارج العاصمة، ففي الوقت الذي تزداد نسب الفقر والبطالة في الأطراف والمحافظات المختلفة والمناطق الشعبية في عمان فإنّ "عمّان الغربية" تتضخم وتزدهر بالجسور والعمارات ومستويات الدخل المرتفعة، ما يجذر الفجوة الطبقية على مستوى جغرافي أيضاً!

***

بالعودة إلى السؤال الرئيس: أين تقع مسؤولية الحكومة والوزراء؟..فقد كان تعليق الزميل أيمن الصفدي(في مقاله لعنة الشاورما) على قصة التسمم بالبقعة ذكياً، عندما قال "لايوجد وزير صحة ليستقيل؟"، فهذا التعليق هو، حصراً، ما أردت قوله أثناء أزمة منشية بني حسن؛ فلم يناقش أحد، في الأساس، بوجوب محاسبة المسؤولين والمقصرين إدارياً، وحتى قضائياً، لكن الجدال كان حول الاستعجال لتقديم "كبش فداء" في تلك القضية قبل تحري أبعاد المسؤولية الحقيقية عن الكارثة.

فلو فرضنا أنّ وزيراً جديداً للمياه عُيِّن، وهو يعلم أنّ شبكات المياه تالفة وأنها تتطلب الإصلاح ويمكن أن تكون مصدراً متجدداً للتلوث، لكنه لا يملك الميزانية الكافية، وبعد أيام من ولايته حدث تلوث في مياه مناطق مختلفة، فهل سيكون مسؤولاً عن التلوث، ونطالب بإقالته؟!

المقصود؛ أنه في ظل تراجع دور الحكومات المتعاقبة في رسم المسار الاقتصادي وتحولاته (والسياسي أيضاً)، لا بد من مراجعة جادة ونقدية لهذا المسار، ولما له من كُلفةٍ خطرة وحسّاسة على حياة الناس، وإذا كنا لا نزال نتحدث عن تداعيات اقتصادية واجتماعية، فالخشية أنّ عدم الاستدراك والتصحيح سيدفع – مستقبلاً- للحديث عن تداعيات سياسية وأمنية!

ربما من أجمل التعليقات على مخرجات الراهن الاقتصادي والسياسي هو عنوان مقال الزميل حلمي الأسمر: "حلمنا بسنغافورة.. لا نريد أن نتمصّر!".

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التلوث والتزوير (معن نصر)

    الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007.
    ليت حكومتنا الرشيدة تعمل بجد على منع حدوث مثل هذه الكوارث وخاصة ان هذه الكوارث تتكرر بين الفينة والاخرى ، فتلوث مياه المنشية ليس عنا ببعيد ،وكذلك تسممم المواطنين في مادبا والرصيفة قبل ذلك وغيرها الكثير من الامور المؤسفة.
    ليت الحكومة تعمل بجد لمعالجة هذه الامور كما عملت بجد واخلاص في الانتخابات التي حشدت لها الافا مؤلفة؟؟ الا يجدر بحكومة بلدي ان تهتم بما يهم المواطن وتوفر له الامان من هذه الملوثات قبل ان تهتم وتصب جهودها الجبارة على اشياء أخرى؟؟؟
  • »التلوث أنواع وأشكال في بلدي (أحمد أبو رمان)

    الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007.
    فمن التلوث الفكري |إلى العقائدي مرورًا بالأخلاق وليس أخيرًا تلوث الطعام ؛ فبلدي يحتاج إلى أيدي نظيفة وظمائر حية .. شكرًا استاذي محمد على هذاالطرح .. وإنني أعجبب من أمتي وعشقها لتبرير كل خطأ من غير إيحاد حل ؛ مثلهم كذالك الذي دخل على آخر يلعب شطرنج مع حمارّ!! فنهره صاحبه تلعب مع حمار ؟! فما كان جوابه إلا أن قال : وغالبني كمان !!!!!!!!
    .. أحمد أبو رمان
  • »مشكلة ضمير (abokamal)

    الأربعاء 15 آب / أغسطس 2007.
    مشكلة ضمير غائب تقديره "دنانير" وليس مشكل حكومات

    أرى أنه مهما جاءت وراحت حكومات؛ فمشكلة فساد الغذاء تنبع من جشع المواطن صاحب السيخ إياه؛ والذي يزيد الطين بلة في إعتقادي أن أخر حادثين شاورما لم يتكلف صاحب المطعم أي كلفة و/أو غرامة مادية بل تعهدت الحكومة في حينه بتحمل كلفة معالجة مئات المواطنين في مشستشفيات الزرقاء ومادبا.وحسب العرف الدارج " من أمن العقوبة أساء الأدب" فأعتقد بان ذلك شجع غيره على إلقاء أنفسهم وبالتالي المواطنين معهم في مهاوي ردى فساد الشاورما وغيرها.
    قال لي صديق وافد مصري " شعبكم يأخ لا يربيه غير الغرامة المالية" فهل يعقل العاقل أن طفلاً في العقبة يسجن ستة أشهر بتهمة شراء بضاعة مسروقة ؛ بينما المتسببين في قضايا ( نعم أقول قضايا) الشاورما لا يلحقهم حتى لمسة على الجبين ؟؟أين المدعون العامون والنائب العام ؛ وقد علموا علم اليقيين بهذه القضايا من الصحف اليومية والأسبوعية التي تتراكم يومياً على مكتب كل واحد منهم . هل يريدون جاهة تترجاهم للقيام بعملهم المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية. أين ينام الحق العام حالياً ولا ينهض إلا لسفاسف الأمور ؟.
    ودمتم