إبراهيم غرايبة

الإسلام والمجتمع المدني

تم نشره في الاثنين 13 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

يناقش محمد أركون في الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار الساقي ومركز الدراسات الإسماعيلية في لندن بعنوان "المجتمع المدني في العالم الإسلامي"، مع مجموعة من المفكرين والباحثين، مدى فرص وإمكانية قيام مجتمعات مدنية فاعلة في العالم الإسلامي، وهل لتأخر المجتمعات المدنية علاقة بالإسلام نفسه كونه عند أغلب المسلمين دينا ودولة ومجتمعا، وفي الوقت نفسه فإن حكم القانون والمجتمع المدني هما مفهومان فكريان يقومان على استقلالية النطاق الديني، والنطاق السياسي، فلا يمكن أن يكون النص الديني في إطار الفهم الحديث مصدرا للمعرفة الصحيحة والقانون العادل.

وقد كانت المسألة برأي أركون محسومة في الفكر والواقع الإسلامي حتى القرن الثاني عشر الميلادي، فقد تطورت وتبلورت الفلسفات المتعددة في بلاط السلاطين وفي بيئة من القبول والتعايش والجدل، لكن هذا التنافس انتهى بزوال الاتجاه الفلسفي وانتصار ما يسميه "الأرثوذكسية أو المدرسانية" الإسلامية، واستمر الواقع الجديد حتى يومنا هذا، ويرى ذلك سببا للجمود في العالم والفكر الإسلامي.

لقد صمم المجتمع المدني بالفعل من أجل تقييد الدولة على وجه التحديد، أو إبقاء هذا التدخل مزجورا وبعيدا عن الساحة، وفي الجهة المعاكسة، جرى تمييز المجتمع المدني عما يُدعى بالوحدات "الأزلية" الأسرة، ومجموعة الأقارب، والجوار، والقبيلة والجماعة الدينية أو العرقية برغم أن بعضها قد يدخل في نطاق التفاعل المدني، ومن ثم يندرج ضمنه.

وعند الحديث عن المجتمع المدني الإسلامي فيجب ملاحظة أن المجتمع المدني هو ظاهرة واحدة، ومصطلح المجتمع الإسلامي يعني مفهوما جغرافيا أو ثقافيا، ويجب علينا أيضا ملاحظة أن للإسلام طبقة واحدة من المعاني عندما نشير إلى المجموعة المعقدة من الأفكار والممارسات الدينية، والشرعية، والنفسية، والثقافية التي سبقت مقدم الدولة، والاقتصاد، والمجتمع الحديث.

ويؤدي الخلط برأي عزيز إسماعيل والميل نحو التاريخانية في التعامل مع الإسلام إلى تشويه مكتوم للإسلام، ويولد الأوهام التي تقنع بالحقائق التاريخية القائمة بعدم انسجام الإسلام مع الحداثة وخصائص المجتمع الليبرالي العصري.

وفي عرضه للمعالجات الفكرية لمسألة المجتمع المدني الإسلامي لدى المفكرين والباحثين الغربيين والمسلمين يلاحظ أمين صاجو الارتباك في استخدام التركيبة بين "المجتمع المدني" و"الإسلام"، ولكن مع الانتباه لمسألة المحاذير المتعلقة باستيراد نماذج غربية من المنظمات الاجتماعية والفردية إلى مواقع حضارية مختلفة اختلافا جذريا والبحث عن معان مشتركة، وبخاصة في مرحة العولمة وتضاؤل أهمية القوميات والحدود السياسية والجغرافية. 

إن المجتمع المدني ينشأ في إطار ثلاثة عناصر ضرورية: حكم القانون، والمواطنة المتساوية، والمشاركة، وهنا ينشأ مجال عام يتيح للتفاعل المدني أن يأخذ مجراه، وهنا يكون السؤال برأي "صاجو" هو هل يتوافق الإسلام مع الديمقراطية والمجتمع المدني؟ ولكنه تساؤل برأيه يقود إلى تجاهل تعقيدات حياة المسلم الاجتماعية والثقافية المتغيرة لمصلحة نماذج وصور محددة، فهناك حاجة للبحث في العلاقة بين الدين بعامة والأخلاق وبين الثقافة المدنية، وفي هذه النظرة الاعتبارية للإسلام حيث يندمج "الديني" مع "الدنيوي" وتندرج الدولة في الإسلام تنشأ تحديات مختلفة، ويعتقد هنا برنارد لويس أنه لا مجال لنشوء مجتمع مدني إسلامي، وهذا يعني أنه(لويس) مؤمن بمقولة ان الحياة المدنية لا تستوعب تقديرا للمقدس، ولكن من الواضح أن الإسلام والدين بعامة يتضمن منظومة من القواعد والمبادئ العامة والأخلاقية التي تطور الثقافة المدنية والسلوك الاجتماعي، ولا يعني ذلك أنها بديلة لحكم القانون، ولكنها تصلح لتكون جزءا من عمليات وسياسات الحوار السلمي.

[email protected]

التعليق