قرار مجلس الأمن ليس حدثاً عابراً!

تم نشره في الأحد 5 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

الحدث ليس عابراً. لابدّ من التوقف عنده طويلاً والتفكير في انعكاساته في المدى البعيد ليس على مستقبل السودان فحسب، بل على الوضع العربي عموماً أيضاً. يتمثل الحدث في صدور قرار عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حمل الرقم 1769 يتعلق بإقليم دارفور.

يمكن اعتبار موافقة السودان على القرار الرقم 1769 الصادر عن مجلس الأمن، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باللجوء إلى القوة، بمثابة نقطة تحول في السياسة التقليدية للرئيس عمر حسن البشير الذي سعى في الماضي إلى عرقلة أي تحرّك دولي في اتجاه دارفور. كان النظام السوداني يستند في اعتراضاته على أن القوة الدولية أو أي وجود أجنبي في دارفور يعتبر تنفيذاً لقرار كبير يهدف إلى تقسيم السودان وفصل دارفور عنه في إطار خطة أوسع تصب في النهاية في عملية الفصل بين شمال السودان وجنوبه.

وبكلام أوضح، كانت هناك مخاوف مستمرة في الخرطوم من تقسيم السودان إلى ثلاث دول على الأقل. الشمال والجنوب ودارفور. يمكن أن يكون النظام السوداني على حق في معارضته أي قوة دولية، في حال كان هدفه النهائي المحافظة على وحدة الأراضي السودانية. لكنّ السؤال ماذا فعل النظام لمنع وصول الأمور إلى ما وصلت إليه، خصوصاً صدور القرار 1769؟

أيا تكن التبريرات التي قدمتها الخرطوم تمهيداً لإعلان قبولها القرار 1769، وإن على مضض، لا يمكن تجاهل أن القرار الصادر عن مجلس الأمن بالإجماع في غاية الأهمية والخطورة نظراً إلى أنه سيقود إلى تشكيل أكبر قوة سلام تعمل حالياً في منطقة من مناطق العالم تحت غطاء الأمم المتحدة. ستضم القوة التي يتوقع أن ترسل إلى دارفور نحو ستة وعشرين ألف رجل بينهم سبعة آلاف من الجنود والعسكريين الأفارقة.

هذه ليست قّوة لمجرد فرض السلام في دارفور بمقدار ما أنها قوّة لإخراج الحكومة المركزية من دارفور وتدويل قضية الاقليم. ولا شك أن ذلك لم يكن ممكناً لو تصرفت الحكومة السودانية بحكمة في السنوات الأخيرة ووضعت حدّاً لميليشيا الجنجويد التي كانت تحظى بدعمها والتي ارتكبت فظاعات. لو حصل ذلك، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، ولما تحدّث رئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردون براون عن دارفور في الأمم المتحدة واصفاً ما يدور في الأقليم بأنه "الكارثة الانسانية الأكبر" التي يشهدها العالم حالياً.

كذلك تحدّث بروان، قبيل تصويت مجلس الأمن على القرار الذي وصفه بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة بـ"التاريخي"، عن مائتي ألف قتيل في دارفور وعن مئات الآلاف الذين هجّرهم مقاتلو الجنجويد من منازلهم وقراهم وعن جرائم ارتكبت في الإقليم بتشجيع من الحكومة.

تستطيع الحكومة السودانية التذرع بأنّ القرار 1769 شدد على أن السيادة على دارفور ما تزال للسودان، لكن الواضح أن هناك رغبة دولية بأن يكون الأمن تحت الإشراف المباشر للقوة الجديدة التابعة للأمم المتحدة، وهي في الواقع قوة مشتركة بين المنظمة الدولية والاتحاد الأفريقي. وهذا يعني في طبيعة الحال أن القوة الدولية المطعمة بأفارقة ستتولى الصلاحيات الأمنية في الإقليم ذي المساحة الشاسعة، والتي كان يفترض أن تمارسها السلطات السودانية المختصة. أي أن الحكومة السودانية تخلّت بطريقة أو بأخرى عن جزء من صلاحياتها لمصلحة قوة خارجية ستتولى، معتمدة القوة، حماية سكان الإقليم من جهة وضمان عدم المس بموظفي البعثات الدولية أو المتطوعين الذين يؤمّنون توزيع المساعدات على السكان من جهة أخرى.

هل يمكن إلقاء اللوم كله على النظام السوداني وحكومة الرئيس عمر حسن البشير؟ الجواب: إن النظام يتحمّل مسؤولية ضخمة نظراً لرفضه وضع حد لممارسات الميليشات التابعة له بحجة أن النزاعات بين القبائل في المنطقة ذات طابع تاريخي وأنه كان هناك دائماً تقاتل من أجل الماء والأراضي الصالحة.

أكثر من ذلك، تشير أوساط قريبة من النظام إلى أنه ليس صحيحاً أن الجنجويد، وهم من العرب، يهاجمون الأفارقة بدعم من الحكومة وتسليح منها. وتؤكد هذه الأوساط أن هناك قبائل عربية مستهدفة أيضاً وأن من الصعب التفريق بين العربي وغير العربي في الإقليم.

إلى ذلك، يتحمل النظام مسؤولية كبيرة في ما آلت إليه الأوضاع، أقله لسببين؛ الأول إنه وضع كل بيضه في السلة الصينية معتقداً أن الصين، التي باتت تمتلك مصالح كبيرة في السودان، ستحول دون صدور أي قرار عن مجلس الأمن لا توافق عليه الخرطوم. أما السبب الآخر فهو عائد إلى استخدام الخرطوم قضية دارفور والتشابك القائم بين القبائل في المنطقة لإثارة متاعب لدول الجوار بما في ذلك تشاد.

في النهاية، ربما كان الخطأ الأكبر للنظام السوداني تجاهله لطبيعة الصراع الدولي القائم حالياً على أفريقيا. لن يترك الأميركيون والأوروبيون الصين تسيطر على ثروات دارفور وجنوب السودان. هناك قواعد للعبة الدولية لم تدركها الخرطوم عن قصد أو عن غير قصد. لم تدرك أن الحملات السياسية والصحافية، وتلك التي تشنها المنظمات والجمعيات الإنسانية والخيرية من أجل دارفور، ليست كلها بريئة، لم تدرك أنه ليس صدفة أن دارفور كانت من أبرز المواضيع التي بحث بها غوردون براون والرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي في أول لقاء لهما بعد تولي ساركوزي مهماته الجديدة، وأعلن الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني عن استعدادهما للذهاب إلى دارفور معاً بغية معالجة الأوضاع فيها.

كذلك كانت دارفور موضوعاً أساسياً في اللقاء الأول بين الرئيس بوش الابن وغوردن براون، في كامب ديفيد عشية صدور القرار 1769.

لا شيء يحدث بالصدفة في هذا العالم. ولكن لابد من العودة إلى السؤال الأوّل: هل النظام السوداني حريص على المحافظة على وحدة السودان، أم يعتقد أن تفتيت البلد وارد وأن عليه إعداد نفسه من الآن لهذا الاستحقاق، خصوصاً أن الجنوبيين يمتلكون حق تقرير المصير، وأن الاستفتاء على هذا الحق مسألة وقت ليس إلاّ!

كاتب لبناني

التعليق