تعزيز إشراف صندوق النقد الدولي

تم نشره في الاثنين 30 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

في ظل الاقتصاد الخاضع للعولمة اليوم، قد يمتد صدى السياسات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها دولة ما إلى ما يتجاوز حدودها. على سبيل المثال، إذا ما انتشر التضخم أو انخفضت قيمة العملة في أحد البلدان في النصف الآخر من العالم، فإن القوى الاقتصادية العالمية قد تؤثر بصورة مباشرة على أرزاق الناس في بقية أنحاء العالم. وفي ظل هذه الظروف بات التعاون الدولي يشكل عاملاً أساسياً لضمان الاستقرار والنمو ومنع وقوع الأزمات الطاحنة. ولكن لكي يتسنى لهذا التعاون أن يكون مثمراً فلابد وأن يستعين المجتمع الدولي بالأدوات السليمة.

إن صندوق النقد الدولي يوفر واحدة من أشد هذه الأدوات أهمية. فلأعوام عديدة ظل صندوق النقد الدولي حريصاً على إشراك الدول الأعضاء في عملية أطلق عليها "الإشراف". ويعمل الصندوق بموجب هذه العملية على مراقبة وتحليل السياسات الاقتصادية لكل دولة وتقديم المشورة لها - سواء فيما يتعلق بسياسات أسعار الصرف أو السياسات الداخلية المرتبطة بها. وتساعد عمليات المراجعة المنتظمة هذه في التعرف على مواطن الضعف المحتملة وصيانة الاستقرار الاقتصادي. إلا أن التحديات السياسية المتزايدة التعقيد والمترتبة على الاقتصاد الخاضع للعولمة تتطلب نظرة جديدة إلى هذه العملية.

في شهر يونيو/حزيران المنصرم تولى المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي هذه المهمة بالتحديد، فتوصل المجلس إلى الموافقة بالإجماع على تحديث عملية الإشراف بجعلها أكثر تركيزاً وفعالية. ولقد كان ذلك القرار واحداً من أهم الإصلاحات لعمل البنك طيلة ثلاثين عاماً منذ تم تصميم عملية الإشراف. والحقيقة أن هذا مجرد جزء من جهود إصلاحية أوسع نطاقاً وتهدف إلى تقوية صندوق النقد الدولي، ولسوف تمتد تأثيرات هذه الإصلاحات للتجاوز قاعة اجتماعات المجلس التنفيذي للصندوق.

هذا الإصلاح الجديد سوف يحدث ثلاثة تغييرات على قدر عظيم من الأهمية. الأول أنه يؤكد على ضرورة تركيز عملية الإشراف على كل ما يجلب الاستقرار، ويقدم المشورة التفصيلية في هذا السياق. فلا ينبغي لصندوق النقد الدولي أن يقدم نصائح عامة.

ويتلخص التغيير الثاني في توجيه النصيحة الواضحة للدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي بشأن كيفية إدارة تلك الدول لسياساتها الخاصة بأسعار الصرف، وما هو مقبول بالنسبة للمجتمع الدولي.

وأخيراً، يحرص هذا الإصلاح، وللمرة الأولى، على توضيح كل ما هو متوقع من عملية الإشراف، وهذا من شأنه أن يعزز من الشفافية والمساواة في التعامل مع كل الدول على السواء. أو بعبارة أخرى، يتعين على الصندوق أن يضمن تعامله مع كل الدول على نفس النحو، بما في ذلك توجيه الرسائل الواضحة التي قد تكون صعبة في بعض الأحيان، وتبادل وجهات النظر مع المجتمع الدولي.

إن التناول الجديد للسياسات الخاصة بأسعار الصرف يشكل أحد أهم التطورات في سياق الإصلاح. وطبقاً لشروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تلتزم الدول الأعضاء بالتعاون من أجل تعزيز نظام مستقر لأسعار الصرف وتجنب التلاعب بهدف اكتساب مزايا تجارية غير عادلة. كان التنظيم في هذا المجال محدوداً في الماضي، حيث كان يركز بالكامل على التلاعب وعلى تجنب حالات التقلب على الأمد القصير.

وما يزال هذا التنظيم قائماً، إلا أن المقصود من التلاعب أصبح الآن أكثر وضوحاً. كما قمنا أيضاً بتناول تلك السياسات التي تسببت في إيقاع أعظم الضرر بالنظام أثناء السنوات الأخيرة، بما في ذلك المبالغة في رفع أسعار الصرف أو تخفيضها لأسباب داخلية.

يأتي هذا التغيير في وقت حاسم يمر به الاقتصاد العالمي. فأكثر دول العالم تشهد نمواً قوياً، وانخفاضاً في معدلات التضخم، الأمر الذي جعل تهديد الأزمات يتراجع إلى حد كبير. وأصبح عدد الدول المضطرة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي ضئيلاً - وهي علامة إيجابية للغاية.

إلا أن تحسين عملية الإشراف يشكل أهمية أساسية لضمان عمل الاقتصاد العالمي وفقاً لموازين متكافئة. ومن خلال توضيح المسائل المترتبة على عملية الإشراف، فلابد وأن يساعد القرار الجديد صندوق النقد الدولي ودوله الأعضاء في التعرف على الدور الذي يضطلع به الصندوق بوضوح، ومساعدة المشاركين في عملية الإشراف للقيام بوظيفتهم على النحو اللائق، وجعل الصندوق أكثر قدرة على تحمل هذه المسئولية الرئيسية والاضطلاع بها.

يشكل هذا الإصلاح انتصاراً للتعددية، حيث سيصبح للدول الأعضاء كافة دور في كيفية تعزيز عملية الإشراف على أنشطة الصندوق، فضلاً عن دعم استعداد الدول الأعضاء لتحمل المسئوليات المترتبة على هذه العملية. وبطبيعة الحال، من الأهمية بمكان أن يلقى الصندوق دعماً واسع النطاق من الدول الصناعية، والدول ذات الاقتصاد الناشئ، والدول النامية.

إن المجتمع الدولي يحتاج إلى البيئة التي تسمح له بمناقشة أكثر القضايا الاقتصادية حساسية، على سبيل المثال لا الحصر، القضايا المتعلقة بأسعار الصرف. ويشكل صندوق النقد الدولي المنبر الذي يستطيع المجتمع الدولي من خلاله ممارسة هذه المهمة. وفي نفس الوقت يستطيع الصندوق توفير الخبرات الفنية القادرة على تمكين الحكومات من تحديد السياسات التي تضمن الاستقرار الاقتصادي المستديم. والهدف هنا يتلخص في دعم السياسات الصالحة لكل دولة على حدة - والتي لا تضر بمصالح الدول الأخرى- من خلال الحوار والإقناع. وهذا هو الجوهر الحقيقي لمفهوم التعاون الدولي.

رودريغو دي راتو المدير الإداري لصندوق النقد الدولي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق