محمد أبو رمان

إسلاميو الشرق في حضرة الأستاذ أردوغان

تم نشره في الأحد 29 تموز / يوليو 2007. 03:00 صباحاً

الفوز الساحق الذي حققه حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات النيابية، للمرة الثانية، له أهمية ودلالة خاصة تتعدى الانتخابات السابقة، وتبرهن على نجاح الحزب في تجربته في الحكم خلال السنوات الأربع السابقة. وتختلف القراءة العربية لتجربة العدالة بين موقف يدعو إلى تعميمها وآخر يقلل من أهميتها ويحاجج باستحالة تطبيقها في العالم العربي، لكن بين هذين الموقفين هنالك مساحة واسعة تتمثل في المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها الأحزاب الإسلامية العربية من تجربة العدالة، مع الإقرار –ابتداءً- بعدم إمكانية "استنساخ" التجربة في الفضاء السياسي العربي.

مجال المفارقة كبير وواضح بين النظام السياسي التركي والنظام السياسي العربي؛ في النظام التركي الفيتو العسكري فقط ضد الحركات الإسلامية، لكنه يسمح للآخرين بالوصول إلى السلطة وتولي الحكم، وهو ما حدث مع العدالة والتنمية نفسه عندما أعاد هيكلة شعاراته وعناوينه وبرامجه؛ فقد تمكن من الاستمرار في الحكم. بينما في العالم العربي حالة "الاستعصاء السلطوي" تنسحب على جميع القوى والأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية، ومن يمسك في السلطة لا يريد التخلي عنها للآخرين، مهما كانت مشاربهم الأيديولوجية والسياسية، ناهيك أنّ الانتخابات التركية لا مجال فيها للتزوير والتلاعب بقوانين الانتخابات أو البلطجة ضد المعارضة أو تدخل اليد الأمنية الطويلة للحيلولة دون تحقيق الإسلاميين فوزاً كاسحاً.

هذه المفارقة صحيحة مائة بالمائة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن سرّ تميز وإبداع أردوغان ورفاقه واختلافهم عن "أستاذ" الحركة الإسلامية التركية نجم الدين أربكان. فقادة العدالة أيقنوا حين أسسوا حزبهم الجديد أنّ إصرارهم على الشعارات والعناوين ذاتها سيقودهم دوما إلى الطريق المغلق وستدور التجربة الإسلامية التركية في الحلقة المفرغة ذاتها، فقاموا بقلب الطاولة وتغيير أوراق اللعبة كاملة، وقطعوا المسافة المتبقية من الأيديولوجيا إلى البراغماتية، مخالفين أستاذهم الذي علق في منتصف الطريق!

أمّا إسلاميو الشرق الذين أعلنوا إيمانهم بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة فهم أقرب إلى النسخة الأربكانية "الأيدوبراغماتية" (منتصف الطريق بين الأيديولوجيا والبراغماتية)، وقد جمدوا على كثير من المواقف الفكرية والسياسية، وثمة تردد وخوف كبير من القيام بغربلة كاملة وتجديد بنيوي في طرحهم الفكري والسياسي، وربما في هذا ردّ على تبرير المفكر المعروف، فهمي هويدي، لجمود إسلاميي الشرق أنهم "شُغِلوا بالدفاع عن أنفسهم بدلاً من التطوير والتجديد"؛ فالحركة الإسلامية التركية – أيضاً- كانت تعاني الحصار والاضطهاد وأُعدِم قادتُها في الستينيات وسجنوا لكنهم طوّروا وجددوا وخرجوا من عنق الزجاجة، وهذا درس مهم وحيوي لإسلاميي الشرق، إذا أرادوا أن يتجاوزوا حالة "مكانك سر" التي يمارسونها منذ عقود.

أهم ما يقدمه العدالة والتنمية هو تبني مفهوم "العلمانية المؤمنة"؛ وفك الاشتباك سلمياً بين الدين والعلمانية، من خلال تحديد الأرض التي يحتلها الدين في المجال العام والخاص. فأردوغان حين يرفض أنه حزب "إسلامي" يقول إنه يضع القرآن في قلبه، ويسير إلى الأمام، بمعنى أنه يستبطن القيم والأخلاق والمفاهيم الإسلامية في مواقفه وسياساته ولا يجعلها "عقبة" يصطدم بها في طريقه وفي صراعه السياسي مع خصومه. وحزب العدالة والتنمية إذ يقبل بالعلمانية فإنه يعيد تعريفها على أنها "الحرية الدينية"، وهي كلمة يقبلها الغرب، لكنها في الوقت ذاته تصادر على مفهوم العسكر التركي الذي يتبنى العلمانية "اللائكية" (اللادينية). فما يحتاجه إسلاميو الشرق هو تقديم رؤية فكرية وسياسية معاصرة لمفهوم الدولة الإسلامية ومعنى تطبيق الشريعة، بدلاً من التسمُّر عند لغة الشعارات الفضفاضة!

ما سبق يقودنا إلى ملاحظة أخرى، على درجة كبرى من الأهمية؛ فحزب العدالة والتنمية قبل وصوله إلى الحكم كان قد قدّم رؤية اقتصادية نقدية بالأرقام والمعلومات وبصورة محترفة ومِهَنيّة، ونجح في تطبيق برنامجه وإخراج تركيا من الأزمة العاصفة، متبنياً رؤية ليبرالية تقوم على ربط الاقتصاد التركي بالعولمة، وهذا ليس محل انتقاد حقيقي، والدليل أنّ الناس انتخبوا الحزب على هذا الخيار والبرنامج. أمّا إسلاميو المشرق فالجانب الاقتصادي هو الثقب الأسود الذي يبتلع كل وعودهم وشعاراتهم، إذ لا يقدمون شيئاً، ويكتفون بلغة خشبية لا تسمن ولا تغني من جوع، وكأن "الاقتصاد" سؤال ثانوي أو هامشي، مع أنه محرك أساسي في عالم اليوم.

المفارقة اللافتة بحق أنّ اسلاميي الشرق ولجوا إلى الحياة الاقتصادية من باب خدماتي واستثماري يقوم على تحقيق الربح السريع والاستثمار في عواطف الناس الدينية وفي تلك الفتاوى التي تعطي "مشروعية حصرية" لمؤسسات الحركة الإسلامية، في الوقت الذي يهاجمون الرأسمالية والليبرالية! مع أنّ الحركات الإسلامية تمتلك نخب تكنوقراطية يمكنها تفعيلها والإفادة منها. ويمكن لإسلاميي الشرق التحضير لدور مستقبلي من خلال ابتعاث عدد من الشباب لدراسة الاقتصاد والإدارة والعلوم الإنسانية التي تساعد على توفير الكوادر الاستراتيجية ووضع البرامج الواقعية.

أحد الفروق الرئيسة بين العدالة والأحزاب الإسلامية العربية أنّ قادة العدالة من أصحاب العقول الجبارة الاستراتيجية القادرة على أخذ زمام المبادرة وإدارة الصراع السياسي بجدارة واحتراف، بينما "إسلاميونا" من أصحاب الحناجر المنتفخة الجبارة لديهم مهارات لغوية وخطابية هائلة!

العدالة والتنمية يمتلك برنامجاً وطنياً يدرك المصالح الحيوية التركية ومطالب الشعب واحتياجاته ومصالحه ويسير ببلاده إلى الأمام، ويعرف كيف يميز بين الممكن والواجب والتكتيكي والاستراتيجي، أمّا "إسلاميونا" فما يزالون يناقشون كيف يواجهون حكومات ضعيفة عاجزة، مع أنّ هذه الحكومات أصبحت تتكئ على وجودهم وخُطبهم لتبرير استمرارها!

باختصار، لا تقولوا أنّه لا يوجد ما يستفيده إسلاميو المشرق من الأستاذ أردوغان!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق