إسقاط حق العودة في التصريحات الفلسطينية!

تم نشره في السبت 28 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

قبل فترة وجيزة نسب لرئيس حكومة تسيير الاعمال الفلسطينية، سلام فياض، انه طمأن الاسرائيليين بأن موضوع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين يجب الا يكون مقلقاً لهم. وزاد ذلك ايضاحاً بإشارة منه لمبادرة السلام العربية التي نصت على حل تفاوضي عملي لقضية اللاجئين يتم التوصل له باتفاق الجانبين، ما يعني بصورة اوضح ان اي حل لقضية اللاجئين لن يتم بدون موافقة اسرائيل عليه.

اسرائيل هي التي تملك القرار، اذن، بالنسبة لهذه القضية، بحسب رأي وتصريح فياض في مقابلة له مع صحيفة اسرائيلية. مهما طالب اصحاب الحق، ومهما قال العرب ومهما قال القانون الدولي، ومهما اقتضت العدالة المسألة محسوبة: اطرحوا ما شئتم من المطالب ومشاريع التسوية والحلول، ولكن في النتيجة سيكون القرار لاسرائيل. فما مبرر القلق الاسرائيلي من تكرار الحديث عن حق العودة بحسب منطق رئيس الوزراء الفلسطيني!

هذا الطرح ليس بجديد، له جذور راسخة في صميم المبادرة العربية التي ارادت ان تطمئن اسرائيل وتبدد مخاوفها من موضوع "حق العودة". فإحدى قواعد عملية السلام هي ليست احقاق الحق والعودة للشرعية الدولية والعدالة، بقدر ما هي البحث عن صيغ لتطمين اسرائيل، كالقول تارة ان المطالبة بحق العودة يجب الا تؤخذ بحرفيتها لو قبلت اسرائيل بها شكلاً، واتفق على افراغه من مضمونها موضوعاً، ولتعزيز ذلك لفقت استطلاعات فلسطينية بتمويل غربي وصلت لنتائج مفادها ان ليس اكثر من عشرة في المائة من اللاجئين قد يختارون العودة عندما يطرح الخيار عليهم. ولتعزيز ذلك ايضاً، وعندما انتقل المتفاوضون الفلسطينيون والاسرائيليون من كامب دافيد عام2000 الى طابا - لاستكمال الاستفادة من عرض باراك التاريخي الذي رفضه عرفات- وضعت صيغة لتسوية قضية اللاجئين مستندة الى وضع عدد من الخيارات: بقاء اللاجئ مكانه، او هجرته لبلد آخر(استراليا او كندا مثلاً)، او عودته الى الأرض التي ستصبح ارض الدولة الفلسطينية، او عودته الى ما اصبحت اسرائيل، والذي استعرض هذه الخيارات في حينه، او يستعرضها الان يجد انها عادلة، الى ان يكتشف ان الخيار الرابع اي العودة الى "ما اصبح اسرائيل" اي الوطن الاصلي في فلسطين، مشروط بموافقة اسرائيل.

فالاتفاق يعني موضوعياً انه لو اختار اي من الفلسطينيين العودة سيواجه خيارهم برفض مؤكد مسبقاً من اسرائيل، فما قيمة هذا الخيار اذن؟!

ليست هناك سوابق كثيرة في التاريخ لمثل هذا الوضع الذي يحول صاحب الحق مهمته من مطالب بحقه الى باحث عن وسيلة ليستخدمها خصمه للتحايل على هذا الحق. فهل يعقل ان تكرس السلطة الفلسطينية جهدها لايجاد مخارج ومبررات لاسرائيل لإسقاط حق العودة وتفريقه من معناه!

ونحن الان امام تصريحات جديدة منسوبة للرئيس عباس نفسه تصب بقوة في هذا السياق. ولا غرابة في ذلك فالتسابق الان هو من اجل ارضاء الاسرائيليين والاميركيين ونيل دعمهم وتأييدهم، وليس من اجل حقوق الفلسطينيين فمقابل الثناء السخي العاطر الذي ينهال على عباس من واشنطن وعواصم الغرب، ومقابل الدعم الذي يطالب به"المجتمع الدولي" له فهو يستدرج المزيد بإرسال رسائل تطمين جديدة للاسرائيليين.

ينسب لعباس، في مقابلة اعطاها لصحيفة معاريف الاسرائيلية، انه قال: ان قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من ديارهم عام 1948 يجب ان تحل مع الدولة العبرية عن طريق ايجاد حل خلاق لها. ما هو هذا يا ترى "الحل الخلاق" الذي ستقبل به الدولة العبرية، التي تعلن منذ ان خلقت بعدم اعترافها لا بالمسؤولية عن وجود مشكلة اللاجئين ولا بأية مسؤولية عما آل لهم وما يجب ان يحدث لاعتبار شيء من العدالة لهم. حتى التعويض ترفض اسرائيل اية علاقة لها به وتجير ذلك للمجتمع الدولي.

"الحل الخلاق" على الأغلب هو تلبية رغبة اسرائيل بإسقاط حق العودة، كما اسقطه اتفاق ابو مازن ويوسي بيلين في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وكما اسقطته عملياً اتفاقية تم التوصل لها في طابا عام 2000، لكنها لم تحترم من قبل الجانب الاسرائيلي، لان هدف اية مفاوضات اسرائيلية هي تخفيف سقف المطالب الفلسطينية دون تنفيذ اي شيء بانتظار تخفيضات جديدة من خلال مفاوضات جديدة ضمن مسلسل مستمر.

وتنسب معاريف لعباس قوله بأنه لا يمكن إلزام اسرائيل بإعادة اللاجئين الى وطنهم داخل اراضي الـ48 والسؤال: هل هناك ما يلزم اسرائيل بالاعتراف بأي ذرة من الحقوق الفلسطينية، او بالانسحاب من الأرض الفلسطينية المحتلة؟ واذا كان هذا هو المقياس الذي يحكم بموجبه على الوضع؛ فلماذا التفاوض واسرائيل تعلن بوضوح، وفي كل لحظة، بما يجب ان تنتهي اليه الامور، وما يمكن ان تتخلى عنه من فتات وفضلات بعد اتمام مخططاتها الاستيطانية والتوسعية والتهويدية للأرض!

في اي مفاوضات يطرح كل جانب مطالبه مستنداً لشرعية تثبتها وادلة تؤكدها، ولكن يطرحها كاملة. اما المساومات والحلول الوسط فتأتي نتيجة التفاوض، وليس شرطاً لحدوثه. المساومات تتم بالتبادل لتسهيل التوصل للتسويات ولا تقدم من قبل فريق ليستجدي عطف الفريق الاقوى. هذه مهزلة غير مسبوقة بالفعل.

صحيح ان المطالبة "بحق العودة" لا تعني عودة خمسة ملايين فلسطيني لاجئ الى اسرائيل، كما تدعي الاخيرة، وكما تؤسس رفضها لذلك على انه "نهاية الدولة الاسرائيلية".ولكن الصحيح ايضاً هو ان البديل ليس اسقاط حق العودة برمته، وكما تطالب اسرائيل بإصرار وباستمرار. ولا البديل هو في وضع الصيغ الخادعة كصيغة طابا التي توفر "الغلاف المقبول" لتلبية المطالب الاسرائيلية فقط على حساب كامل الحقوق الفلسطينية.

هنالك حلول"خلاّقة" تأخذ الواقع والواقعية بنظر الاعتبار. ولكنها يجب ان لا تلغي القانون الدولي والحق القانوني الذي لا يمكن تجاهله، وتستبدل كل ذلك بمبدأ بسيط وهو ما سترضى به الدولة العبرية.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق