ياسر أبو هلالة

مشاركة العسكريين في الانتخابات البلدية

تم نشره في الجمعة 20 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

في الخمسينيات الماضية كان الجيش العربي في الأردن مسيَّسا باتجاهين. بمعنى أن القوى المحافظة في الدولة كانت تعتبره مستودع أصوات لمعاقبة القوى المعارضة. في الوقت الذي كانت المعارضة تخترق الجيش من خلال تنظيم الضباط الأحرار الذي ضم أطيافا من القوميين والوطنيين والشخصيات المستقلة.

في الانتخابات كانت القوى الوطنية تمارس الدعاية الانتخابية أمام معسكرات الجيش التي يمنع عليها دخولها من خلال الهتافات، في الوقت الذي كان المرشحون المحافظون ينتظرون "صندوق الحامية" الذي صوت ناخبوه بناء على تعليمات. تلك حقبة خلت شهدت صراعا كاد يودي بالبلاد.

بعدها أُبعد الجيش عن الانتخابات، وغدت, بحسب ضابط كبير سابق, المشاركة في الانتخابات والدعاية الانتخابية تستدعي المساءلة. على الرغم من أن  قانون الانتخابات البلدية يسمح للعسكريين بالانتخاب. هذا العرف شهد للمرة الأولى سجالا حوله في العام 1995 عندما ادّعت جبهة العمل الإسلامي الحكومة بإسقاط مرشحها ياسر العمري من خلال توجيه العسكريين لانتخاب منافسه.

مجددا أثير السجال في الانتخابات البلدية المقبلة، ولم تخف المعارضة مخاوفها من السماح للعسكريين بالمشاركة. تلك المخاوف لا تبدو مبررة. فكل موظف حكومي (والموظفون يشكلون الأكثرية الناخبة) معرضون للتأثير الحكومي وليس العسكريين فحسب. والحكومة إما تكون فعلا محايدة بكل مؤسساتها أو لا تكون، ولا يجوز الفصل بين المؤسسات العسكرية والمدنية هنا.

فوق ذلك فإن الحق القانوني للعسكري بالتصويت لا يجوز لأي جهة حرمانه منه إلا بقانون آخر يمنع العسكري من الانتخاب. وتصويت العسكريين، بحسب التفسير الحكومي، لن يكون من خلال وحداتهم العسكرية بل بحسب أماكن سكنهم، وفي هذه الحال تزول المخاوف من عدم تمكن كل المرشحين من ممارسة الدعاية الانتخابية وتعذر الرقابة على الانتخابات داخل وحدات عسكرية.

والواقع أن العسكر جزء من مجتمعاتهم المحلية ومن حقهم أن يشاركوا في خطوة لمحاربة حزب السلبية (الأكثرية الصامتة) الذي يتوقع أن يكتسح الانتخابات. باستثناء محاربة هذا الحزب لا يجوز الزج بالجيش في مواجهة أي طرف سياسي ومحاباة آخر. فالجيش في أعرق الديمقراطيات هو مؤسسة إجماع وطني لا تقبل التعدد أو القسمة أو الاختلاف، ودوره الحاسم هو حماية التعدد والديمقراطية والدستور.

الاستثناء الوحيد ربما في العالم هو دولة الاحتلال الصهيوني، فالمجتمع هو الجيش والجيش هو المجتمع، لذا تجد الانقسام السياسي في الجيش على أشده، وتقليديا كان القادة العسكريون هم القادة السياسيين. وظلت الأحزاب الإسرائيلية إلى اليوم تتسابق على كسب الجنرالات المتقاعدين.

عربيا؛ ربما كانت الكارثة الكبرى التي منيت بها الشعوب في المنطقة تسييس الجيوش، فالضباط الأغرار الذين بالكاد غادروا قراهم استبدوا بالسلطة مع فك أول حرف بالسياسة. وانتهى بهم الأمر إلى مصادرة السياسة وحرمان المجتمع منها.

ليزيد عدد المشاركين في الانتخابات وليظل الجيش بعيدا عن السياسة. وحارسا لها في آن.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عيب (رضى العباس)

    الجمعة 20 تموز / يوليو 2007.
    لايوجد اغلبية صامتة في الأردن. يوجد أغلبية مهمشة انتاخابيا وبقرار رسمي. كفاكم التطبيل والتزمير باسم الأغلبية الصامته. كفاكم استخفاف بعقول الناس. عيب.
  • »strange (مسنات)

    الجمعة 20 تموز / يوليو 2007.
    سيد ياسر. ان مندهش انك تتكلم عن الإنتخابات الأردنية وكأن لها مصداقية من الأساس. الكل يعلم بالتهميش الرسمي لشرائح الأغلبية في الأردن فلماذا تستغفل الواقع؟ الإنتخابات الأردنية لاتختلف عن انتخابات الحزب الواحد في الدول الإستراكية السابقة.
  • »أحسنت ! (أبو فرح)

    الجمعة 20 تموز / يوليو 2007.
    كلام جميل يا أبو هلالة..ولكن بالله عليك ما فائدة زيادة عدد المشاركين في الانتخابات وأغلبهم يصوت (بالفزعة) ودون معرفة شيء اسمه برنامج انتخابي, وعلى قولة جدي خمس المتعلم: ما فائدة الانتخابات كلها من الأصل, ما دامت أغلبية القرارات الكبرى معدة سلفا, يا أخي الفاضل.. أنا متاكد أنك تشعر بان الموضوع ليس الا (....) على بلاط, لا تبتئس فهذا هو الشعور الجمعي الذي يجعل من حزب الصمت السلبي هو الأغلبية.
    يا ليتك كتبت عن كلاب عجلون الضالة التي سرقت أنف الطفلة البريئة..انها حادثة ذات مغزى كبير..انظر حولك وسترى قطعان الكلاب التي تنهش كل شيء جميل..ولا من يكتب عنها حرفا واحدا, ربما لأنها كلاب غير شكل!!