منار الرشواني

التفاوض مع الإرهابيين

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

بعد أن نجحت الولايات المتحدة ومؤيدوها، وباسم "الحرب على الإرهاب"، في جعل العالم أكثر خطراً، بأن غدا الحديث عن عمل إرهابي هنا وهناك حديثاً أكثر من روتيني؛ بات السؤال الملحّ المطروح اليوم هو عن المخرج من دائرة الموت المفرغة التي أحكمت الإدارة الأميركية الحالية والمنظمات الإرهابية معاً إغلاقها.

في مقابل منطق القوة وعسكرة العالم كما يتبناه الرئيس بوش وإدارته، يتمثل أحد الحلول المقترحة في "الحديث إلى الإرهابيين" ذاتهم، كما تطالب بذلك لويز ريتشاردسون، خبيرة الإرهاب والعميد التنفيذي لمعهد رادكليف للدراسات المتقدمة (Radcliffe Institute for Advanced Study) بجامعة هارفارد، في مقابلة مع صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، في 10 تموز الحالي، عقب ما أذيع عن محاولات إرهابية فاشلة في لندن وغلاسكو، يتهم فيها أطباء عرب ومسلمون.

وتقوم منطقية اقتراح ريتشاردسون على أن "فهم ما يفكر به العدو (الإرهابيون) مسألة فعالة جداً"، وأن الحديث إلى الإرهابيين "عبر قناة خلفية (غير رسمية) كان مجدياً في توصل الحكومة البريطانية إلى حل ناجع للنزاع في إيرلندا الشمالية". كما أن هكذا حديث قد يسمح بإيجاد انقسامات داخل "المنظمات الإرهابية" يتم استغلالها لخلق مواجهة داخلية فيها.

ورغم أن ريتشاردسون تقيم تمييزاً بين الأدنى، وهو "الحديث إلى الإرهابيين"، الأمر الذي يبدو مقبولاً وعقلانياً، وبين المستوى الأعلى المتمثل في التفاوض المرفوض مع هؤلاء، إلا أن مثل هذا التمييز يبدو نظرياً أكثر منه عملياً، بخلاف الاقتراح الذي يبدو منطقياً وممكناً على مستوى صناعة القرار في الغرب، وليس مجرد شطحة أو "يوتوبيا" أكاديمية من باحثة جامعية.

ففي مطلع العام الحالي، نشر بيتر نيومان، رئيس مركز دراسات الدفاع في "كنغز كوليج" بلندن، مقالاً في مجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) الأميركية، يتلخص مضمونه في أنه "على الرغم من قول العديد من الحكومات إنها لن تتفاوض مع الإرهابيين، إلا أن هذه الحكومات عادة ما تقوم بذلك على الصعيد العملي"، ومن ذلك تفاوض الحكومة البريطانية مع الجيش الجمهوري الإيرلندي؛ وكذلك تفاوض الحكومة الإسبانية مع حركة "إيتا" الانفصالية في إقليم الباسك. وبحسب نيومان، فإن الهدف من المفاوضات "يجب أن يكون دعم المعتدلين ضمن (مجموعة) الإرهابيين، من دون تقوية المتشددين منهم". 

وإذا ما استثنيا حركات المقاومة ضد الاحتلال، وتحديداً في فلسطين والعراق، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها منظمات إرهابية رغم التمادي الأميركي في توسيع مظلة الإرهاب، يظل مؤرقاً للعرب قبل سواهم، حكاماً ومحكومين، أخذ الغرب بخيار التفاوض مع حركات من قبيل القاعدة ومن يندرج في ذات منظومتها الفكرية. وتظهر هذه الخطورة من الإجابة عن التساؤل: ما هو الثمن الذي قد يقدم لهكذا تنظيمات لمنحها الشرعية، ومن حساب من سيقدم هكذا ثمن؟

فالحركات الإسلامية المتشددة لا تخاصم الغرب وحده، بل وحتى لا تعاديه مباشرة في أكثر البلدان العربية والإسلامية؛ وإنما خصومة هذه الحركات الرئيسة والمباشرة في الواقع هي مع المجتمع "الكافر أو "الضال" في أحسن الظروف، ناهيك عن معاداة النخب الحاكمة، اللذين (أي المجتمع والنخب) سمحا بتغول الغرب على الأمة. وأهم من ذلك أن تنظيمات من قبيل القاعدة ترى في فكرة الديمقراطية بشكل عام نتاجاً غربياً لا ينسجم، ولا يجوز أن ينسجم مع الواقع الإسلامي النموذجي الذي ترتئيه.

ومن ناحية أخرى، وبعد عقود من التجربة، لا يمكن تصور أن أي مفاوضات غربية مع هكذا تنظيمات سيكون أحد أركانها اشتراط تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؛ فاستقرار خدمة المصالح الغربية هو الثابت الوحيد في تعاطي الغرب مع أي طرف عربي ومسلم، وانتقاء البدائل أو خلقها سيتم في ضوء هذا الثابت.

ومن ثم، ألا يكون الأجدى بدلاً من السماح بالتفاوض بين الإرهابيين والغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، وفقاً لشروط ومتطلبات ومصالح هذين الطرفين المتناقضين مع الأكثرية العظمى من المجتمعات العربية والإسلامية، ألا يكون الأجدى الشروع في مفاوضات عربية وإسلامية داخلية؛ ليس بين النخب الحاكمة والتنظيمات المتشددة، بل بين النخب الحاكمة والمجتمع بأطيافة السياسية والثقافية كافة، والاستماع إلى مطالب ومظالم هذه الفئات والأخذ بها بصدق. وهذه المفاوضات، بما تعنيه من وصول إلى عقد اجتماعي جديد، هو الوسيلة الوحيدة، وليس المثلى فحسب، للتجفيف الفعلي لمنابع الإرهاب والتطرف والتشدد في العالمين العربي والإسلامي.

الإصرار على الحلول الأمنية في التعاطي مع التشدد بدرجاته كافة في العالمين العربي والإسلامي هو الوصفة المثالية للقضاء على المجتمع والنخب الحاكمة على السواء، بما يجسد عملية انتحار جماعي أعمى.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محاور مقترحه للحل (محمد علي)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2007.
    انا مع التعاطي مع الارهابين من من ثلاثة محاوررئيسية الاول امني وذلك من خلال احباط مخططاتهم التخريبية والثاني فكري وهو بمحاولةادماجهم الفكري والحضاري بالمجتمع ومحاولة افهامهم حقيقة العلاقة بين الدين والدنيا والثالث مادي وهو رفع مستواهم المعيشي عن طريق تشغيلهم باعمال محترمة ومجزية وارضاء نزعة زعمائهم للقيادة من خلال اشعارهم بالاهتمام بهم والتفاوض معهم من قبل الدول العضمى ... الضواهري نفسه لا يمانع في التفاوض اذ انه قال ان الامركيان سيكونون مضطرين للتفاوض مع القوى الحقيقة ويقصد القاعدة. ويجب على امركيااستثمار هذا الموقف.
  • »UNEFFECTIVE (F.NEMRI)

    الجمعة 13 تموز / يوليو 2007.
    NO NEED FOR THE PARLIAMENT IN .JORDAN