إبراهيم غرايبة

التخطيط الاجتماعي لعمّان

تم نشره في الأربعاء 11 تموز / يوليو 2007. 03:00 صباحاً

المخطط الشمولي لعمان يفترض ألا يقتصر على استعمالات الأراضي والأبراج والجسور والطرق والمرافق والمرور والبنى التحتية على أهمية هذه الجوانب في التخطيط، ولكنها بدون اعتبار العلاقة الاجتماعية والثقافية بينها وبين المواطنين ودون ملاحظة التداعيات الاجتماعية والثقافية لها على الناس، وبدون التفكير في الحياة الاجتماعية والمجتمعات الناشئة عن هذه المصالح ستتحول أيضا إلى نمو عشوائي يذهب بكثير من أهدافها وغاياتها.

نحتاج من أمانة عمان الكبرى أن تضع باعتبارها في التخطيط والتنفيذ للمباني والأسواق حياة الناس اليومية والاجتماعية وعلاقاتهم وتفاعلهم بالمكان، وربما يلزم أن يكون لكل حي أو تجمع سكني من خمسة آلاف شخص هويته وعلاقته الخاصة بالمكان وبالناس، كأن يعاد تصميم الأحياء السكنية لتكون معظم شوارعها غير نافذة وتتيح للأطفال والمشاة القدرة على التحرك والتجمع واللعب بسهولة وأمان، وأن يكون لكل حي مدرسة أساسية، أو على الأقل الصفوف الدراسية الأربعة الأولى، ويملكها ويديرها المجتمع المحلي بالمشاركة مع الأمانة والقطاع الخاص، وربما يكون من المفيد أن يلزم جميع أبناء الحي في المرحلة الأساسية بأن يدرسوا في الحي الذي يقيمون فيه، وأن يكون للحي حديقته العامة وناد رياضي ثقافي اجتماعي وقاعة للاجتماعات ومكتبة عامة وسوق تجاري، ويجب أيضا أن تكون الدائرة الانتخابية للمواطنين هي مكان إقامتهم وسكنهم الفعلي.

يفترض كما في التاريخ والجغرافيا أن تنشأ حول المصالح والمشروعات الاقتصادية مجتمعات قائمة عليها، بحيث تكون مساكن العاملين في هذه المصالح والمشروعات قريبة منها أو في منطقتها أو تكون المساكن جزءا من المشروع التجاري والاستثماري نفسه وبخاصة في المناطق الصناعية والتجارية في أطراف المدينة، وهذه تنشئ منظومة من العلاقات المهنية والتجارية والاجتماعية، وشبكة من المصالح والبرامج المصاحبة للنشاط الاقتصادي نفسه، من المدارس والأسواق والأندية والخدمات والجمعيات المهنية والاجتماعية والتعاونية، وتكون القيمة الاقتصادية والاجتماعية في غالب الأحيان لهذه الشبكة المحيطة والمصاحبة للمشروعات أكبر بكثير من المشروعات بحد ذاتها، فالمجتمعات والثقافات وأنماط الحياة والسلوك الاجتماعي تنشأ حول المشروعات والأنظمة الاقتصادية، وهذا هو ما ينشئ التقدم الاقتصادي والاجتماعي، ويراكم الإنجازات والتجارب ويطور المشروعات والمصالح.

فالأنظمة الاجتماعية والثقافية تتشكل في متوالية معقدة من التفاعلات بين الناس والمكان:

تقنية وموارد - نظام اقتصادي وسياسي- نظام اجتماعي وثقافي- تقنية.

والإنسان ينشئ ويبدع وفق حاجاته وتحديات البيئة المحيطة أدوات الإنتاج والحماية، والتقدم والكفاية والرضا، وتتشكل حول هذه التقنيات والأدوات أنظمة اقتصادية وسياسية، فتنشأ المجتمعات والدول والعلاقات والطبقات والتنافس والتعاون، وتتشكل حول هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية منظومات اجتماعية وثقافية تقوم على صيانة وتنظيم الإنجازات البشرية وتحقيق العدل والمصالح والقيم والأعراف والتقاليد والتشريعات المنظمة لحياة الناس وتطلعاتهم، وهذه المنظومة الاجتماعية والثقافية تعيد تطوير وإنتاج تقنيات وأدوات الإنتاج وفق الأفكار والقيم الجديدة، فيكون التقدم.

فالتقدم يمثل مساراً دائرياً جدلياً ومتواصلاً من استيعاب المنجزات المتراكمة وإبداع موارد وتقنيات ومنجزات جديدة تتحول مرة أخرى إلى تراكم يُعاد استيعابه: تراكم- استيعاب- إبداع- تراكم.

ويكون التقدم الاجتماعي والثقافي الممكن تعريفه ببساطة الاستجابة الملائمة والصحيحة مع التقنية والموارد هو الوعاء الحقيقي للتقدم وتنظيمه وتوجيهه وحمايته؛ فهو الذي ينظم مواصلة التقدم، وهو الذي يضمن توجيهه نحو التنمية والرفاه والخير والفضيلة والسلام؛ لأن التقنية والموارد بذاتها يمكن أن تكون منفصلة عن استخدامها.

هذا الانفصال بين المشروعات والمخططات الاقتصادية والتقنية والفنية وبين حياة الناس اليومية ومنظومتهم الاجتماعية والثقافية يضر بالمخططات الاقتصادية والتنموية نفسها وقد يودي بها، ولكن التفكير الشامل بها ليمتد إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية والحياتية والجمالية يضاعف نتائجها الاقتصادية والمعيشية.

ibrahim.gharaibeh@lghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فكروا في الموضوع (حسينو)

    الأربعاء 11 تموز / يوليو 2007.
    اخي ابراهيم، تحية، ارجوان تنقل الاقتراح التالي الى الامانة قبل فوات الاوان: المنطقة الواقعة في مجمع رغدان على طريق المحطة، من جسر المحطة سكة الحديد حتى جسر النشا يمكن اعادة تاهيلها لتصبح منطقة تجارية شعبية تراثية تخدم كل المناطق المجارة. اما السرفيس والباصات فلتذهب الى مكان اخر.