د.باسم الطويسي

حدود الملعب السياسي الجديد

تم نشره في الأربعاء 27 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

إلى وقت قريب، يقدر المراقبون فرص الانتقال من حالة الجمود على الجبهة السورية الإسرائيلية بأوزان متكافئة بين الانجرار إلى حرب إقليمية قادمة تعيد تصنيف المواقف والأدوار والأوزان، وبين تسخين جبهة المفاوضات والعودة إلى مسار التسوية، وعلى الأقل إنجاز فك اشتباك في المصالح بين سورية وإيران، وتحييد الأولى عن آليات التعامل المستقبلي مع الملف الإيراني، مع أن وجهة النظر الأكثر رواجاً بعد ما آلت إليه الأحوال الفلسطينية وسيطرة حماس على غزة، تجعل فرص اتساع الملعب السياسي أكثر حضوراً، وتجعل جاذبية الملف السوري هي الميدان الرحب للمناورة السياسية القادمة.

هنالك مجموعة من الاعتبارات التي تجعل من تحريك الملف السوري مطلباً لجميع الفرقاء الإقليميين والدوليين في هذا الوقت بعد مطالبات سورية مزمنة للعودة لطاولة المفاوضات، بينما ترى وجهة نظر أخرى بأن إعادة تسخين الملف السوري أو مجرد إطلاق المفاوضات على هذا المسار سيعمل في المحصلة على إضعاف الموقف الفلسطيني، وإدامة حالة غزة الراهنة بل إبقاؤها معلقة على عود المشنقة دون تنفيذ الحكم فيها، وهي حالة تريدها إسرائيل لاستحكام دائرة الضغط على الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه أداة ضغط من نوع آخر في يد السوريين؛ بمعنى أن حالة غزة الراهنة ستوسع من حدود الملعب السياسي مع العودة إلى دائرة إضعاف القضية المركزية.

يراهن الموقف السوري على عوامل يعتقد أنها أخذت في التبلور لصالح ملفاته العالقة منذ سنوات، فالقراءة السورية تنطلق من تراجع مكانة الولايات المتحدة على خلفية أزمة احتلال العراق وفشل البدائل المتاحة، ثم تزايد نفوذ الحركات الإسلامية المناوئة للسياسات الأميركية، وثمة قناعة أخرى بعدم تورع الأميركيين عن تعديل وتبديل سياساتهم في المنطقة بأي لحظة وفق موازين المصالح والقوى، وتتأكد هذه الرؤية مع بروز إيران قوة إقليمية منافسة مقابل ما يتردد عن تراجع دور الدولة العربية المعتدلة من دون قيام الولايات المتحدة بالحد الأدنى المطلوب لمساندة حضور هذه الدول.

على المستوى الإسرائيلي؛ يراهن السوريون في الكواليس على تغيرات جوهرية في إدراك الإسرائيليين لمصادر التهديد الحقيقية في المنطقة، وعلى حدود القوة الإسرائيلية، وتجعل هذه الرهانات مصدر التهديد الأول لأمن إسرائيل متمثلاً في سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية وقوة صاروخية ضاربة في أجواء أيديولوجيا دينية وقومية معادية، وبينما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة لتقويض النفوذ الإيراني وما يترتب عليه من حضور في قضايا المنطقة وصراعاتها، فان مبدأ تحييد سورية قد يكون ورقة رابحة في يد المفاوض السوري قبل أن يذهب لطاولة المفاوضات، وفي الجيب ستكون هناك أوراق صغيرة من حجم ورقة حماس إلى اوراق أخرى تختلف أوزانها مثل التنظيمات التي تطرأ كل يوم على الساحة اللبنانية تحت مسميات جديدة.

أما وجهة النظر الأخرى، فترى أن الأزمة السورية الداخلية والإقليمية وصلت اوجها وتحتاج إلى تفريغ آمن وهروب نظيف، واهم ملامح هذه الأزمة حاجة النظام السوري إلى تجديد شريعته بعد تزايد الاحتجاج على تضاؤل القدرة لاستعادة الجولان لا بالحرب ولا بالسلام، وضرورة الخروج من نفق العزلة والحصار والاندماج في الاقتصاد العالمي لمواجهة تفاقم الفقر والبطالة وتراجع الظروف الاقتصادية المستمر، وهذه الوقائع تدفع نحو استثمار أوراق اللعب الصغيرة بشكل مكثف للعودة إلى طاولة المفاوضات.

لكن توسع الملعب السياسي بهذا الشكل الذي يتطلب إعادة تفكيك وتركيب للمشهد السياسي والاستراتيجي ليس بهذه السهولة، ولا يمكن تصور فك اشتباك آمن بين سورية وإيران وعشرات الجيوب السياسية والأمنية التي تخدم الوضع الراهن وشيدت خلال سنوات طويلة، ولا يمكن أن تدير سورية ظهرها بكل سهولة لإيران.

الأمر الأكثر وضوحاً يمكن إيجازه بأن توسيع الملعب السياسي على المستوى الإقليمي بهذه الصيغة، والانتقال إلى مرحلة اللعب على المكشوف يعني المزيد من التراجع للقضية الفلسطينية والمزيد من الإضعاف للموقف العربي.

[email protected]

التعليق