منار الرشواني

بديل الحوار الفلسطيني

تم نشره في السبت 23 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

ليس مهماً أبداً ما إذا كان أي من الطرفين المتصارعين أو المتقاتلين ضمن الأراضي التي يفترض أن تكون خاضعة للسلطة الوطنية، قد سعيا إلى جعل هذه الأراضي إقليمين منفصلين، تسيطر على أحدهما (قطاع غزة) حركة حماس، فيما تسيطر على الآخر (الضفة الغربية) حركة فتح؛ إنما المهم فعلاً أن مثل هذا الوضع الذي أصبح الآن، وإلى أجل غير معلوم، حقيقة على الأرض هو ما تريده إسرائيل، أو تراه –على المدى المنظور على الأقل- يخدم أهدافها العدوانية وسياساتها الاستيطانية.

ولذلك، فقد سارعت إسرائيل إلى الترحيب بحكومة الطوارئ الفلسطينية التي أعلنها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقررت الإفراج عن 700 مليون دولار هي أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، والتي كانت إسرائيل قد امتنعت عن تحويلها إلى السلطة إبان وجود حماس في الحكومة؛ وكذلك كان الموقف الأميركي باستئناف المساعدة المباشرة إلى سلطة الرئيس عباس.

ووفق السيناريو المعلن الآن، فإن التشجيع، الإسرائيلي والأميركي، على خلق نموذج نجاح على صعيد حياة أفضل للفلسطينيين في الضفة الغربية الخاضعة للرئيس عباس ولحركة فتح، مقارنة ببؤس جديد يضاف إلى البؤس الموجود أصلاً في غزة الخاضعة لحركة حماس، سيفضي حتماً  إلى إضعاف هذه الأخيرة، بشكل كبير وسريع.

لكن إذا صدقت توقعات هذا السيناريو فيما يتعلق بحماس، إلا أن له بالضرورة وبالدرجة نفسها من اليقين نتائج كارثية لا تقل خطورة ستحل على جميع الأطراف العربية تقريباً دونما استثناء.

فإذا ما ارتضى الرئيس عباس التصرف -ولو مرحلياً كما هو متصور- على أساس الفصل بين غزة والضفة الغربية، فمعنى ذلك تنازله صراحة، ومن وجهة نظر الفلسطينيين قبل غيرهم، عن منصبه رئيساً للفلسطينيين، ولربما حتى عن رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، ليكون فقط رئيس حركة فتح، فيما سيكون الوجه الآخر لهذا الوضع الاعتراف بـ"استقلال" غزة تحت قيادة حماس.

من ناحية ثانية، فإن زيادة معاناة الغزّيين إذا ما أفضى إلى إضعاف سلطة حماس وشعبيتها، فإنه لن يؤدي إلا إلى خلق فراغ في القطاع لن تملأه بالتأكيد حركة فتح، لا سيما وأنها ستكون في نظر الغزّيين أهم الأطراف الذين تخلوا عنهم، كما لن تملأه طبعاً، وبأي حال من الأحوال، إسرائيل؛ من سيملأ هذا الفراغ هو حركات ومليشيات لا تملك من الشرعية سوى التطرف، من قبيل "جيش الإسلام" وغيره.

ومثل هذا التطرف لن يكون بالتأكيد للاستخدام المحلي فحسب، بل سيكون قابلاً للتصدير، ليس إلى إسرائيل، بل إلى الدول العربية تحديداً. وهذا احتمال سيتعزز مع انتقال التوترات الفلسطينية-الفلسطينية إلى خارج الأراضي الفلسطينية، ولا سيما إلى تجمعات الشتات الفلسطيني التي تحظى بحضور أنصار طرفي الصراع الفلسطيني-الفلسطيني، وقد بدت المؤشرات الأولى لذلك في العمليات الثأرية القصيرة في مخيمات لبنان عقب سيطرة حماس على قطاع غزة.

إذن، عزل قطاع غزة، وليس العكس، هو ما سيسهم في خلق كل الظروف التي قد تجعل من أشد المخاوف العربية والفلسطينية حقيقة توشك أن تحل كارثة على المنطقة ككل، ولتكون النتيجة المنطقية بعد كل ذلك حتمية العودة إلى الحوار الفلسطيني-الفلسطيني. وهو حوار يحتاج إلى رعاية عربية، تكون أولى مهامها إنهاء حرب التصريحات المتبادلة التي يبدو أنها تعمق خنادق "الجبهة" الفلسطينية-الفلسطينية بكفاءة لا تقل عن كفاءة السلاح والدماء، عبر تخوين وتكفير وتهديد لم تحظ إسرائيل بمثلها.

تستطيع كل من فتح وحماس إدعاء الشرعية التي تريد وإثباتها؛ فكما أن حكومة حماس منتخبة من الشعب الفلسطيني أو مؤيدة من أكثرية ممثليه، فإن الرئيس عباس منتخب أيضاً من قبل ذات الشعب، ويتمتع بذات الدرجة من الشرعية. لكن يبقى على المحك استخدام شرعية الشعب لأجل الشعب.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا يوجد بديل سوى الحوار والعمل معا (عاصم الشهابي)

    السبت 23 حزيران / يونيو 2007.
    أحيك، وأشارك الرأي بأن المطلوب حاليا في هذا الوقت العصيب التي تمر به القضية الفلسطينية أن يعود الفرقاء الفلسطينيين بأقرب فرصة الى تحكيم العقل وكبت النوازع الأنتقامية بينهم، فلن يكون هناك حل عملي مقبول لغالبية الفلسطينيين والعرب الشرفاء سوى العودة الى أتفاق مكة وتنفيذه بدقة وآمانة، وما عدا ذلك فستدخل قضية فلسطين والمنطقة في نفق مظلم وعدم أستقرار لسنوات طويلة. فالحذر كل الحذر مما يجري حاليا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.