المعجزات والقضايا غير ذات الصلة: مستقبل مجموعة الثماني

تم نشره في السبت 23 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

بعد مرور أسبوعين منذ التقى زعماء مجموعة الثماني في ألمانيا، ما زلنا نشعر وكأنهم قد أتوا بمعجزة سياسية في هيليغيندام. فقد كان من المفترض في قمة مجموعة الثماني الأخيرة أن تنقذ ثلاثة أشياء: مناخ العالم، وإفريقيا، والعلاقة بين روسيا والولايات المتحدة.

لقد بدا الأمر وكأنه اجتماع لحكومة عالمية على شواطئ بحر البلطيق. ففي مواجهة الوحدة الأوروبية، تحول جورج دبليو بوش من آثم شرير يعمل ضد مناخ العالم، إلى حامي حمى المناخ الذي ولد من جديد.

والحقيقة أن بعض المراقبين ممن يتسمون بالجرأة ينظرون إلى هذا التغيير الذي طرأ على موقف بوش باعتباره مؤشراً واضحاً لاضطلاع أوروبا بدور جديد في السياسة العالمية. إلا أن قمة مجموعة الثماني لم تشهد أي معجزات حقيقية؛ بل إن مجموعة الثماني ذاتها أصبحت في حاجة إلى معجزة حتى لاتفقد أهميتها وثقلها.

ولكن في أميركا البعيدة، وحيث الناس أكثر تديناً من أهل أوروبا القديمة، كان الإيمان بمعجزة هيليغيندام أقل انتشاراً. والحقيقة أن الأميركيين لم ينشغلوا كثيراً بهذه القمة. والسبب وراء هذا ليس فقط إلقاء القبض جهاراً نهاراً على باريس هيلتون، الشخصية المفضلة لدى الصحف الصفراء حالياً، بل يرجع ذلك أيضاً إلى أن التوقعات الوحيدة التي ينتظرها الأميركيون من الرئيس بوش الآن هي أن يكمل مدة ولايته فحسب.

 فبسبب عجز بوش الواضح، تصور الأميركيون أن هذه القمة غير قادرة على اتخاذ أية قرارات حقيقية.

ما الذي تقرر في هذه القمة إذن؟ فلنبدأ بالقرار الذي اتخذته الدول الأعضاء في مجموعة الثماني "بالتفكير جدياً" في تقليص معدلات انبعاث الغازات الضارة على مستوى العالم إلى النصف بحلول العام 2050! إن هذه المدة الطويلة تعد دهراً في عالم السياسة. ومن المفترض أن هذه التسوية جاءت نتيجة لمفاوضات عسيرة. ولكن إذا ما ترجمنا القرار إلى لغتنا اليومية، فسوف نجد أن "التفكير" أو حتى "التفكير جدياً" لا يعني شيئاً سوى "التأجيل".

ذلك أن ما حدث في واقع الأمر أن الرئيس الأميركي، سواء قبل القمة أو أثناء انعقادها، نجح في تقويض أية محاولات لتحديد أهداف كمية يمكن قياسها، ورفض التعهد بأية التزامات قوية. وعلى هذا، فلم يتبق في النهاية سوى الاختيار بين عدم القيام بأي شيء، أو اتخاذ قرار "جدي" بتأجيل اتخاذ القرار. ويبدو أن هذه هي حال المؤتمرات الدولية في بعض الأحيان.

وعلى هذا، فمن المؤسف أن نعترف إن إسهام أوروبا في تحول الرئيس الأميركي بشأن تغير المناخ كان محدوداً للغاية. ذلك أن حالة اليقظة التي ألمت بالرئيس بوش ترتبط على نحو واضح بتغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة، إذ أصبحت مسألة تغير المناخ تشكل قضية حقيقية. بل نستطيع القول إن المواقف التي اتخذها آل غور وحاكم كاليفورنيا، آرنولد شوارزنيغر، كانت أكثر إسهاماً من الجهود كافة التي بذلها زعماء أوروبا مجتمعون في تحول موقف بوش.

الحقيقة أن موافقة حكومة الولايات المتحدة على التفاوض فيما يتصل بعقد معاهدة جديدة خلفاً لبروتوكول كيوتو في إطار الأمم المتحدة لا تشكل إشارة إلى تحقيق تقدم حقيقي، وذلك لأن أعضاء كل من الحزبين في الكونغرس الأميركي مازالوا يكررون نفس العبارة السحرية القديمة: "لن يتم أي شيء من دون تعاون الصين! وهذا الموقف لن يتغير بعد الانتخابات الرئاسية القادمة".

تتضح المشكلة حين نقارن بين حصة الفرد في الانبعاثات الغازية في الولايات المتحدة وحصة الفرد في الصين. فقد تكون الصين ثاني أضخم جهة مسببة لانبعاث غازات الاحتباس الحراري (بعد الولايات المتحدة)، طبقاً للأرقام الإجمالية، إلا أن حصة الفرد في الصين في انبعاث هذه الغازات ما زالت أقل كثيراً من حصة الفرد في الولايات المتحدة. والحقيقة أن محاولة الولايات المتحدة، صاحبة أضخم اقتصاد والمتسببة في أكبر قدر من انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري على مستوى العالم، أن تتخفى خلف أضخم دولة ناشئة حين يتصل الأمر بالسياسة المناخية، لهو أمر لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل العالم.

وقضية تغير المناخ ليست المنطقة الوحيدة التي يبدو أن قمة الثماني لم تحقق فيها إنجازات ترقى إلى مستوى المعجزة. فأثناء الإعداد للقمة، أعلنت ألمانيا أنها تعتزم زيادة مساعداتها الأجنبية إلى إفريقيا بحوالي 700 مليون يورو. وكانت هذه هي الخطوة الوحيدة الثابتة التي تستحق الثناء. ولكن فيما عدا ذلك، فإن قمة مجموعة الثماني الأخيرة لم تسفر إلا عن إعادة التأكيد على القرار الذي اتخذ منذ عامين في غلين ايغلز باسكتلندا. أي أن إفريقيا لم تحصل في حقيقة الأمر إلا على المزيد من الخطب الرنانة. ومن المؤسف أننا لا نرى ما يشير إلى أن تكرار نفس الوعود الفارغة قد يؤدي إلى أي تغيير.

لا نستطيع أن نحمل الرئاسة الألمانية لقمة مجموعة الثماني هذا العام المسؤولية عن الوضع الحالي. ولا نستطيع في ظل الظروف الحالية أن نرى كيف كان من الممكن أن يتحقق أي قدر إضافي من الإنجاز، نظراً للظروف السياسية الداخلية التي تمر بها الدول المشاركة في القمة. وهذا يعني أن النتائج التي توصلت إليها القمة لم ترق إلى مستوى المعجزة بأي حال من الأحوال. وما يستحق الاهتمام بالفعل في قمة هيليغيندام ليس القرارات التي اتخذت من قِـبَل أي حكومة عالمية مزعومة، بل إنه ما تأكد لنا من أن أيام مجموعة الثماني أصبحت معدودة، كما يبدو.

لقد أصبحت الصين والهند اليوم أشد أهمية من بعض الدول الأوروبية الأعضاء في مجموعة الثماني، على الصعيدين السياسي والاقتصادي. ويتعين على الأوروبيين أن يدركوا أن وجهة النظر هذه تنتشر في أنحاء العالم كافة، وبصورة خاصة على الجانب الآخر من الأطلسي.

ولقد جاء سلوك الرئيس بوتن أثناء القمة معبراً بوضوح عن رأيه في الأوروبيين؛ فهو يرى أنهم لا يشكلون قدراً كبيراً من الأهمية. فبينما كان الأوروبيون يحلمون بالاضطلاع بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وروسيا، كان الرئيس الروسي قد عقد العزم على التوصل من خلال المفاوضات الثنائية مع الولايات المتحدة إلى حلول للمسائل المتعلقة بنظام الصواريخ الدفاعية الأميركية ومسألة كوسوفو.

وكما كانت الحال في أيام الحرب الباردة، فإن روسيا تود لو تجلس مرة أخرى إلى مائدة المفاوضات بمفردها مع أميركا. أما الأوروبيون بانقساماتهم وضعفهم، فإنهم لا يشكلون أية ضرورة في نظره، بل وربما يعتبرهم مصدراً للإزعاج أيضاً.

 وإذا ما استمر الأوروبيون في نثر بذور الضعف والفُـرقة فيما بينهم، فقد تصبح أوروبا بلا أهمية تُـذكر في الأجندة الدولية.

لقد انتهت قمة مجموعة الثماني لهذا العام. وفي كانون الأول المقبل سوف تتخذ الأمور منعطفاً في غاية الجدية.

 فمن المقرر أن يجتمع وزراء البيئة من دول العالم كافة في بالي لحضور مؤتمر المناخ القادم الذي تنظمه الأمم المتحدة. وآنذاك فقط سوف نتيقن ماإذا كانت المعجزة قد حدثت في هيليغيندام، أو ماإذا كانت القمة الأخيرة مجرد "مسرحية سياسية" أخرى.

يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا ونائب مستشارها في الفترة من العام 1998 إلى العام 2005. وكان أحد زعماء حزب الخضر لما يقرب من العشرين عاماً، ويعمل الآن أستاذاً زائراً لكلية وودرو ويلسون بجامعة برينستون.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/معهد العلوم الإنسانية.

التعليق