إبراهيم غرايبة

عودة الفلسفة

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

ثمة موجة في النشر والقراءة والاهتمامات الثقافية تضع كتب الفلسفة في مقدمة الكتب التي تتعرض لطلب كبير من القراء المثقفين في العالم بعامة، وربما تكون ظاهرة صعود الفلسفة مرتبطة بموجة اقتصاد المعرفة ومحتمعاتها، فقد أنشأت الموجة مجموعة من الظواهر الفكرية والثقافية التي استلزمت العودة إلى الفلسفة، مثل الاهتمام بالدين، والانقطاع معرفيا واجتماعيا وثقافيا عن الماضي، والبحت عن البدايات وأسئلة وعي الذات من جديد، وقد استعادت الظاهرة نفسها بكثافة غير مسبوقة التفكير في التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، ربما بسبب الشبه الكبير بين تلك المرحلة والمرحلة القائمة، وكما كانت الجمهورية فكرة متطرفة وخيالية في القرن الثامن عشر، ولكنها اكتسحت العالم تقريبا، فهل تكتسح الأصوليات المعاصرة الأنظمة السياسية وتشكل بداية لمرحلة جديدة ومختلفة في الحكم والسياسة؟ من الواضح أن الأصوليات اليوم تبدو الخيار المفضل لشعوب العالم، وليس مهما أن تقدم هذه الأصوليات برامج وأفكارا بديلة مناسبة، ولكنها ربما تعكس حالة الحيرة والشك والفوضى التي بمر بها العالم، وربما هي الحالة نفسها التي تدفع العالم نحو المعرفة الفلسفية، فهل ستهذب الفلسفة الأصوليات وتطورها ليصل العالم إلى نظام فكري وفلسفي وسياسي كما ظهرت الليبرالية والعلمانية والماركسية على سبيل المثال مصاحبة للآلة البخارية؟

ربما يكون هذا الحديث اليوم غامضا وخياليا، ولكن لنتذكر أن الأفكار المشابهة التي ظهرت في القرن الثامن عشر كانت تبدو متطرفة وخيالية أيضا، وفي رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل ماركيز، ثمة مشهد لببغاء يردد عبارة "يحيا الحزب الليبرالي" ويقول ماركيز إنها عبارة كانت تكفي لإعدام صاحبها في أميركا اللاتينية في ثلاثينيات القرن العشرين.

وربما لن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي نشهد فيه برامج وفلسفات جديدة للحياة والحكم، وقد تفاءلنا قبل عشر سنوات بظهور الطريق الثالث والذي بشر به مجموعة من المفكرين والقادة السياسيين، واجتاح رواده الانتخابات التشريعية التي جرت في أوروبا والولايات المتحدة بحماسة وسرعة تعكس تعطش العالم كله إلى فكرة جديدة تخرجه من دوامة دولة الرفاه وحكم الشركات، وتعتقه من الأصولية الزاحفة بديماغوجية وسرعة تكتسح معاقل الديمقراطية والليبرالية، ما الفرق بين معسكرات غوانتانامو ومعسكرات ستالين ومنافيه في سيبيريا؟

وقد حظي باهتمام كبير ملفت كتاب عصر الثورة لإيريك هوبزباوم، والذي حظي بترجمة رائعة للعربية للدكتور فايز الصياغ، هذا العالم والأديب الذي جعل من الكتب الأكاديمية الصعبة كتبا ممتعة تغريك بقراءتها ومعاودة قراءتها بسبب لغته الموسيقية العذبة.

لقد شهدنا موجة من التحولات في الطبقات الاجتماعية والعلوم والفلسفة والدين والآداب مازالت تشكل حتى اليوم مرجعية للجامعات والأنظمة الاجتماعية والسياسية، واختفت الطبقات الاجتماعية والعلوم والفنون السابقة، فماذا سنشهد في العقود وربما السنوات القليلة القادمة؟ ربما تدفعنا صعوبة الإجابة إلى استحضار القرن الثامن عشر لعل التشابه يرشدنا في التفكير، ولكني أخشى أن يضللنا. 

يرتبط بتلك المرحلة بالنسبة لنا في العالم الإسلامي موجات الإصلاح الفكري والسياسي التي جرت في الحياة الفكرية والسياسية، وبالطبع فقد كانت حركة مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء الخلافة الإسلامية وإقامة جمهورية تركية علمانية تمثل ذروة الاستيعاب للتحولات الجارية في الغرب، فهل يمثل رجب أردوغان التحولات الجديدة ومراجعة بل وإلغاء تجربة أتاتورك كما ألغى هو الخلافة الإسلامية؟ بالطبع فإن أردوغان لا يتحدث عن عودة الخلافة، ولكنه يقدم شيئا جديدا مختلفا عن الخلافة ومختلفا أيضا عن الكمالية أو الأتاتوركية.

كانت الثورة الصناعية إطلاقا للقوة الإنتاجية تشكل المدن لتشكل أغلبية السكان بعدما كانت أقلية ضئيلة، فماذا ننتظر اليوم؟ لنتذكر التداعيات الهائلة والشاملة للصناعات والنقل والقوة العسكرية بعد تلك الثورة، فقد انطلقت صناعات النسيج والبناء والنقل العملاق عبر البحار وقطارات سكة الحديد، وانقلب رأسا على عقب شكل المدن والطرق والبيوت والحياة والتجارة والإنتاج والعمل والمهن والتعليم، ولنتخيل العالم الجديد الذي يتشكل اليوم، الموارد والنقل والقوة والحياة بعامة، وربما تكون الإجابة إننا بحاجة بالفعل إلى الفلسفة لنقدر على التفكير الجديد والمبدع والإجابة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق